أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٨ - الأمر الثالث في اختلاف القراءات
نعم، هذا كلّه فيما إذا قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة، وسيأتي في مبحث الاستصحاب إن شاء اللَّه أنّ المختار خلافاً للمشهور عدمه، وحينئذٍ تصل النوبة إلى أصالة الإباحة (كلّ شيء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام) ولا إشكال في جريانها في الشبهات الحكمية، أو إلى البراءة العقليّة.
ولكن هذا كلّه فيما إذا كانت الآية من أمثلة النزاع في ما نحن فيه، أي كان اختلاف القراءة فيها موجباً لاختلاف المعنى والحكم، مع أنّه أوّل الكلام، لأنّه لقائل أن يقول: أنّ قوله تعالى:
«يطهرن» على كلا الوجهين يكون بمعنى النقاء عن الدم لأنّ كون «يطهرن» على الوجه الثاني (أي كونها من باب التفعّل) مبني على اعتبار كون الفعل اختياريّاً في باب التفعّل والمطاوعة لأنّه بناءً على هذا الاعتبار لا يمكن أن يكون يطهّرن (بالتشديد) بمعنى النقاء لعدم كونه من الأفعال الاختياريّة بخلاف معنى الاغتسال.
لكن لا دليل على هذا الاعتبار، بل كثيراً مّا يدخل في باب التفعّل ما لا يكون اختياريّاً كما في قوله تعالى: «وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ» وقوله تعالى: «تَقَطَّعَتْ بِهِمْ الْأَسْبَابُ». مضافاً إلى وجود قرينتين في الآية على كون «يطهرن» بمعنى النقاء: إحديهما: كلمة المحيض وأنّها موجبة لوجوب الاعتزال لأنّ الحيض بمعنى سيلان الدم، والتطهّر من الحيض يساوق عدم السيلان وانقطاع الدم. الثانية وحدة السياق فإنّها تقتضي كون الغاية في الجملة الاولى (ولا تقربوهنّ حتّى يطهرن) والشرط في الجملة الثانية (فإذا تطهّرن فأتوهنّ) بمعنى واحد، وحيث إن «تطهّرن» في الجملة الثانية بمعنى النقاء بلا إشكال فلتكن «يطهرن» في ما نحن فيه أيضاً بهذا المعنى.
ثمّ ليعلم أنّ لهذه المسألة في الفقه روايات خاصّة عديدة، بعضها تدلّ على جواز الوقاع قبل الغسل وبعضها تدلّ على عدم الجواز ومقتضى الجمع بينهما هو الجواز مع الكراهة، والكراهة الشديدة إذا لم تغسل الموضع.
بقي هنا شيء:
وهو أنّه كيف يجمع بين القول باختلاف القراءات مع سرايته إلى المعنى أحياناً وبين وعده تعالى بحفظ القرآن في آية الحفظ؟