أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٩ - الأقوال في المسألة
كيف يمكن أن يكون التأكيد تحصيلًا للحاصل، وقد قرّر في علم الكلام أنّ من غايات بعث الأنبياء تأكيد الأحكام العقليّة بواسطة التشريع، ولم يقل أحد هناك بأنّه تحصيل للحاصل، وقد اشتهر بينهم أنّ الواجبات الشرعيّة ألطاف في الواجبات العقليّة.
وسادساً: ما اشتهر بينهم من أنّ الحسن والقبح من المشهورات المبنية على التدريب والتربيّة (والظاهر أنّهم أخذوه ممّا ذكره ابن سينا في منطق الإشارات) [١] الظاهر أنّه من المشهورات التي لا أصل لها وكذا ما ورد في كلمات بعضهم من أنّ الحسن والقبح من الامور الإنشائيّة المجعولة من جانب العقلاء، بل الحقّ أنّه في كثير من مصاديقها من الامور الواقعيّة البديهيّة أو ما يقرب من البداهة ولا دخل للتربية ولا للإنشاء فيهما.
توضيح ذلك: أنّ العدالة والظلم (المذكورين في المثال) لهما آثار في المجتمع الإنساني بل في الافراد من الصلاح والفساد لا يقدر أحد على إنكارها، لا أقول: إنّه من قبيل «الواحد نصف الإثنين» بل أقول: إنّها تدرك بأدنى تأمّل وتفكّر، فمن ذا الذي لا يدرك المفاسد الحاصلة من الظلم، والمصالح والعمران والتكامل الحاصلة من العدل، ولو كان هناك اختلاف فإنّما هو في موضوعاته ومصاديقه لا في أصله.
وإن شئت قلت: هناك امور ثلاثة: المصالح والمفاسد الحاصلة من العدل والظلم ونفس هذين الوصفين (العدل والظلم) ثمّ مدح العقلاء وذمّهم على فعلهما.
فالمصالح والمفاسد امور واقعيّة تكوينيّة (مثل إراقة الدماء ومصادرة الأموال والاضطرابات الحاصلة منها وخراب البلاد والعدوان على العباد أو الهدوء والراحة وعمارة البلاد ورفاه العباد، كلّ هذه وأشباهها امور تكوينيّة) وعلى أثر ذلك يستحسن عقل الإنسان العدالة ويستقبح الظلم من غير حاجة إلى من يعلّمه ويدرّبه أو يقوم بالجعل والإنشاء.
ثمّ بعد ذلك يمدح العادل ويذمّ الظالم، والإنشاء إنّما هو في هذه المرحلة فقط (أعني مرحلة المدح والذمّ) وأمّا الاستحسان والتقبيح العقلييان فهما ينشئآن عن المبادىء الحاصلة من المصالح والمفاسد الخارجيّة وكأنّ الخلط بين هذه الامور الثلاثة كان سبباً للمباني الفاسدة التي أشرنا إليها آنفاً.
[١] بناءً على ما نقله عنه في اصول الفقه: المجلّد الأوّل، ص ٢٢٥، من الطبع القديم (دار النعمان بالنجف).