أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٤ - المقام الرابع فيما إذا ورد مطلق ومقيّد
ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة» أو «صلّ صلاة الظهر» و «صلّ صلاة الظهر إخفاتاً»، والمشهور في هذه الحالة التقييد كما عليه سيرة الفقهاء في الفقه، واستدلّ له بثلاثة وجوه:
الأوّل: أنّ الجمع مهما أمكن أولى من الطرح، وهو في المقام يحصل بالتقييد.
لكن يرد عليه: أنّه لا دليل لنا على ثبوت هذه القاعدة في جميع الموارد فليس الجمع أولى من الطرح حتّى فيما إذا كان الجمع جمعاً تبرئياً غير عرفي، بل الأولويّة ثابتة في باب تزاحم الملاكات، فإذا ثبت هناك ملاكان لحكمين فمهما أمكن الجمع بين هاتين المصلحتين كان أولى.
الثاني: أنّ الدليل المقيّد وارد على الدليل المطلق ورافع لموضوعه، وذلك لأنّ إحدى مقدّمات الحكمة في المطلق هي عدم البيان، والمقيّد يكون بياناً.
لكنّه أيضاً ممنوع لمامرّ سابقاً من أنّ المراد من عدم البيان في مقدّمات الحكمة هو عدم البيان في مقام التخاطب لا عدم البيان إلى الأبد، وإلّا يلزم الخروج عن فرض المسألة حيث إن المفروض في المقام ما إذا ورد مطلق ومقيّد، أي بعد أن تمّ الإطلاق في دليل المطلق، وهذا يتمّ بعد تمام مقدّمات الحكمة التي منها عدم بيان القيد في مقام التخاطب.
الثالث: (وهو الصحيح في المقام) أن نقول: بأنّ الجمع هنا جمع دلالي عرفي، وبيانه: أنّ هنا ظهورات ثلاثة متعارضة ظهورين في جانب المطلق وظهوراً في جانب المقيّد، أمّا الظهوران في جانب المطلق فأحدهما: ظهوره في كون المولى في مقام البيان، والثاني: ظهوره في تطابق الإرادة الجدّية مع الإرادة الاستعماليّة، وأمّا الظهور في جانب المقيّد فهو ظهوره في كون المطلوب مقيّداً، فيدور الأمر حينئذٍ بين التصرّف في أحد الظهورين في جانب المطلق وبين التصرّف في ظهور المقيّد وحمله على الاستحباب مثلًا، والإنصاف أنّ ظهور المقيّد أقوى منهما، فلا بدّ أن نرفع اليد من الظهور الأوّل في المطلق ونحكم بأنّ المولى لم يكن في مقام البيان، وحينئذٍ لا تصل النوبة إلى الظهور الثاني كما لا يخفى، أو نرفع اليد من الظهور الثاني ونحكم بعدم جدّية الإرادة في غير المقيّد.
نعم، هذا إذا كان المورد من الواجبات، وأمّا إذا كان من المستحبّات فسيأتي حكمه إن شاء اللَّه تعالى من أنّها محمولة على مراتب الفضل.
هذا تمام الكلام في الصور المتصوّرة بعد ورود المطلق والمقيّد.