أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٧ - أمّا الطائفة الثالثة التي تدلّ على انحصار الحجّة الشرعيّة بالنقل
للنبي أو لجماعة من المؤمنين مثلًا، وأدرك عدم مزاحمة شيء آخر لها، وأدرك أنّ الأحكام الشرعيّة ليست جزافيّة وإنّما هي لأجل ايصال العباد إلى المصالح وتبعيدهم عن المفاسد، كيف يعقل أن يتوقّف في استكشاف الحكم الشرعي بوجوبه ويحتمل مدخلية وساطتهم صلوات اللَّه وسلامه عليهم بل لا محالة يستقلّ بحسن هذا الكذب ويحكم بمحبوبيته، والحاصل أنّ المدّعى هو تبعيّة الحكم الشرعي لما استقلّ به العقل من الحسن والقبح، وبعد الاستقلال لا يبقى مجال لهذا الاحتمال أصلًا» [١].
أقول: ولذلك نعتقد بأنّ من لم يصل إليه بلاغ من رسول فلا أقلّ من استحقاقه للعقاب على ترك ما يستقلّ به العقل، فلو قتل إنساناً عالماً عامداً كان مستحقّاً للعذاب عند اللَّه تعالى بلا إشكال، ولا يمكن أن يقال: إنّ هذا الحكم ما لم يصل إلى هذا القاتل من ناحية الشرع كان معذوراً في هذا الفعل.
ثمّ إنّ الاصوليين استدلّوا لحجّية العقل في قبال الأخباريين بوجوه:
الأوّل: الأخبار الواردة في هذا المجال:
منها: ما رواه محمّد بن عبدالجبّار عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبداللَّه عليه السلام قال قلت له:
ما العقل؟ قال: «ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان»، قال: قلت فالذي كان في معاوية؟
فقال: «تلك النكراء، تلك الشيطنة وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل» [٢].
ومنها: ما رواه هشام عن أبي عبداللَّه عليه السلام في حديث طويل: «ياهشام أنّ للَّهعلى الناس حجّتين حجّة ظاهرة وحجّة باطنة فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمّة عليهم السلام وأمّا الباطنة فالعقول» [٣].
ومنها: ما رواه إسماعيل بن مهران عن بعض رجاله عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «العقل دليل المؤمن» [٤].
ومنها: ما رواه محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: «لمّا خلق اللَّه العقل استنطقه ثمّ قال
[١] أجود التقريرات: ج ٢، ص ٤٠.
[٢] اصول الكافي: كتاب العقل والجهل، ح ٣.
[٣] المصدر السابق: ح ١٢.
[٤] المصدر السابق: ح ٢٤.