أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٥ - الدليل الأول الكتاب
في كلمة «من» فإنّها وردت في الاولى لا الثانية).
وهاتان الآيتان بشهادة صدرهما نزلتا في من كانوا يعترضون على النبي صلى الله عليه و آله بأنّه لِمَ خلق بشراً أو لا يكون معه ملك، فأجابتا عن هذا الإشكال بأنّ هذا ليس أمراً جديداً بل كان الأمر كذلك في الأنبياء السلف، وإن أردتم شاهداً على هذا فاسألوا أهل الذكر، فمورد الآية مسألة من مسائل أصل النبوّة (الذي هو من جملة اصول الدين) وهي أنّه هل يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه و آله بشراً أو لا؟
والاستدلال بهذه الآية لحجّية خبر الواحد يرجع أيضاً إلى برهان اللغويّة، وتقريبه: أنّ ظاهر الأمر بالسؤال هو وجوبه، ووجوبه ملازم لوجوب القبول، وإلّا يكون وجوب السؤال لغواً، وإطلاقه يشمل السؤال الذي يحصل من جوابه العلم وما يحصل من جوابه الظنّ، أي يجب القبول سواء حصل العلم أم لا؟
ولكن يرد عليه:
أوّلًا: ما أورده كثير من الأعلام وهو أنّه يمكن أن تكون فائدة وجوب السؤال هي حصول العلم بالسؤال فيخرج عن اللغويّة.
ويمكن دفع هذا الإشكال بإطلاق وجوب السؤال، لأنّ لازمه إطلاق وجوب القبول.
وثانياً: أنّ مفادها أخصّ من المدّعى، لأنّها تدلّ على وجوب القبول في خصوص مورد السؤال، بينما محلّ النزاع مطلق أخبار الثقة سواء كان في قبال سؤال أم لم يكن.
والجواب عنه واضح وهو أنّ الفهم العرفي يوجب إلغاء الخصوصيّة عن مورد السؤال.
وثالثاً: أنّ قوله تعالى «أهل الذكر» ظاهر في أهل الخبرة، فيدلّ على حجّية قول أهل الخبرة لوجود تفاسير مختلفة لأهل الذكر في كلمات المفسّرين فبعضهم فسّره بالقرآن لأنّ من أسامي القرآن الذكر كما ورد في قوله تعالى: «وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ» [١] وبعضهم فسّره بأهل الكتاب من علماء اليهود والنصارى، والمقصود من السؤال منهم حينئذٍ هو السؤال عن علائم النبوّة الموجودة في التوراة والإنجيل، وثالث فسّره بأهل العلم بأخبار الماضين، ورابع فسّره بالأئمّة صلوات اللَّه عليهم لأنّ من أسامي الرسول أيضاً الذكر كما ورد في قوله تعالى:
[١] سورة الأنبياء: الآية ٥٠.