أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٨ - المسألة الثانية في أحكام التجرّي
واستدلّ القائلون بالحرمة بوجوه خمسة:
الوجه الأوّل: الإجماع المستفاد من موارد من الفقه:
منها: باب السفر الحرام، فإنّ الإجماع قام على حرمة سفر من يخاف على نفسه من الضرر أو الخطر المحتمل وجوده في الطريق وإن انكشف خلافه بعد.
ومنها: باب أوقات الصّلاة، فالإجماع قام على عدم جواز تأخير الصّلاة لمن يظنّ ضيق الوقت، فلو تأخّرها عصى وإن تبيّن بعد عدم ضيق الوقت.
وفيه: أوّلًا: أنّ الإجماع في مثل هذه المسألة التي لها مدارك مختلفة ليست بحجّة وكاشفاً عن قول المعصوم عليه السلام.
ثانياً: الإجماع في الفرع الثاني ليس بثابت، لذهاب بعض الفقهاء إلى عدم المعصية إذا انكشفت سعة الوقت، وأمّا الفرع الأوّل فيمكن أن يقال: إنّ موضوع الحرمة فيه هو نفس خوف الضرر والخطر لا الضرر الواقعي، وحينئذٍ لا يتصوّر كشف الخلاف، فإن الخوف موجود واقعاً على كلّ حال.
الوجه الثاني: بناء العقلاء على عقاب المتجرّي على المولى.
وجوابه واضح، لأنّه أوّل الكلام ولا دليل عليه، نعم أصل المذمّة والحكم بالقبح من ناحيتهم ممّا لا إشكال فيه لكن حكمهم بالعقاب ليس ثابت.
إن قلت: حكم العقلاء من حيث هم عقلاء بالقبح يلازم العقاب الشرعي بقاعدة الملازمة.
قلنا: لا ملازمة بين العقاب الشرعي والقبح العقلي في جميع مراتبه لأنّ للقبح درجات: منها درجة تشبه الكراهة التي لا عقاب على إرتكابها بلا خلاف، بل الملازمة ثابتة بين العقاب الشرعي والقبح العقلي الذي يحكم العقل بلزوم تركه أيضاً، كما أنّ الحسن العقلي أيضاً لا يلازم الوجوب الشرعي في جميع مراتبه، حيث إن للمستحبّات العقليّة أيضاً درجة من الحسن لا تبلغ حدّ الإلزام.
الوجه الثالث: دليل العقل وبيانه: أنّه إذا نوى شخصان شرب الخمر وإرتكبا مقدّماته وشرب كلّ منهما ما قطع بخمريته فأصاب قطع أحدهما بالواقع دون الآخر فالحكم في المسألة حينئذٍ لا يخلو من أحد احتمالات أربعة: فأمّا أن نحكم باستحقاق كليهما للعقاب وهو المطلوب، أو نقول بعدم استحقاق كليهما له وهو كما ترى، والاحتمال الثالث استحقاق المخطىء له وعدم