أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٦ - المسألة الثانية في أحكام التجرّي
مرحلة من هذه المراحل، فمن نوى ولم يأت بالعمل أو أتى بالمقدّمة ولم يأت بذي المقدّمة أو أتى بذي المقدّمة أيضاً ولكن لم يصب قطعه الواقع أو أصاب قطعه بالواقع أيضاً، ففي جميع هذه المراحل قد تجرّى على مولاه، نعم في مصطلح الاصوليين يطلق التجرّي على خصوص المرحلة الثالثة فقط، أي ما إذا نوى وأتى بالمقدّمة وذي المقدّمة ولم يصب الواقع، ولا يخفى أنّ نفس هذا الكلام وهذه المراحل بأسرها تجري في الإنقياد أيضاً.
المقدمة الثانية: هل هذه المسألة مسألة اصوليّة أو فقهيّة أو كلاميّة؟
ذهب المحقّق الحائري رحمه الله في درره إلى أنّها قابلة لكلّ منها وقال: «أنّ النزاع يمكن أن يقع في استحقاق العقوبة وعدمه فيكون راجعاً إلى النزاع في المسألة الكلاميّة، ويمكن أن يقع النزاع في أنّ إرتكاب الشيء المقطوع حرمته هل هو قبيح أم لا؟ فيكون المسألة من المسائل الاصوليّة التي يستدلّ بها على الحكم الشرعي، ويمكن أن يكون النزاع في كون هذا الفعل أعني إرتكاب ما قطع بحرمته مثلًا حراماً شرعاً أو لا؟ فتكون من المسائل الفقهيّة» [١].
أقول: الإنصاف أنّ المسألة فقهيّة ولا غير، أمّا كونها فقهيّة فلأنّ نتيجتها وهي حرمة التجرّي حكم كلّي فرعي قابل للانطباق على مصاديقه الجزئيّة وحيث يمكن للفقيه أن يكتب في الرسالة العمليّة: أنّ من نوى حراماً وفعل مقدّماته ولم يطابق الواقع فقد فعل حراماً أو لم يفعل حراماً.
وبعبارة اخرى: أنّ نتيجتها لا تقع كبرى لقياس الاستنباط حتّى تستنتج منها حكماً كلّياً فرعياً بل هي نفسها حكم كلّي فرعيى، ولو تنزّلنا عن ذلك فلا أقلّ من كونها من القواعد الفقهيّة.
وأمّا عدم كونها كلاميّة فلأنّ البحث فيها بحث عن صغرى موضوع علم الكلام، حيث إن موضوعه هو كبرى: أنّ المعصية هل توجب العقاب أو لا؟ بينما البحث في المقام بحث في صغرى المعصية، أي في أنّ فعل المتجرّي معصية أو لا؟
وإلّا فإن كانت هذه مسألة كلاميّة يلزم أن يكون كلّ فرع فقهي من مسائل الكلام، والإنصاف أنّ عدّها من علم الكلام من ناحية هذا المحقّق بعيد من مقامه.
[١] درر الفوائد: ص ٣٣٥، طبع جماعة المدرّسين.