أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٠ - الأقوال في المسألة
وفي الواقع أنّ الحسن والقبح من المعقولات الثانويّة التي يكون محلّ عروضها هو الذهن ومنشأها في الخارج، لا من المعقولات الأوّليّة أو الامور المجعولة المحضة.
إلى هنا تمّ البحث عن المرحلة الاولى من المراحل الثلاثة المبحوث عنها في الأدلّة العقليّة، وهو أن يكشف العقل عن حكم الشرع ويحصل القطع به من ناحية علل الأحكام التامّة، أي المصالح والمفاسد المقتضية لحكم الشرع مع العلم بفقدان موانعها واجتماع شرائطها.
ومن هنا يظهر الكلام في المرحلة الثانية، وهي كشف العقل حكم الشرع من ناحية معلولات الأحكام، أي من ناحية ثبوت العقاب وعدمه، نظير حكم العقل في الاصول العمليّة العقليّة، وهي ثلاثة: البراءة العقليّة، الاحتياط العقلي والتخيير العقلي.
أمّا البراءة العقليّة: فهي مبنية على كون قاعدة قبح العقاب بلا بيان قاعدة عقليّة لا عقلائيّة، فيستكشف من حكم العقل بقبح العقاب حكم الشارع بعدم فعلية الوجوب والحرمة الواقعيين لو كانا في البين.
وأمّا الاحتياط العقلي: فهو حكم العقل بصحّة العقاب في صورة وجود العلم الإجمالي في الشبهات المحصورة، وكذلك في الشبهات البدويّة قبل الفحص، فيحكم العقل بفعلية الحكم الواقعي في أطراف الشبهة في الشبهات المحصورة، ويحكم في الشبهات قبل الفحص بأنّه لو كان هناك حكم واقعي كان فعليّاً يؤخذ العبد به.
وكذلك التخيير العقلي: فإذا دار الأمر بين الوجوب والحرمة يحكم العقل بقبح العقاب لمن إرتكب الفعل أو تركه، ويكشف من هذا الطريق عدم فعلية الحكم الواقعي الشرعي، ففي تمام موارد جريان الاصول العقليّة يكشف العقل عن حكم الشرع من طريق نتيجة الحكم، وهي ثبوت العقاب وعدمه، والموضع الأصلي للبحث التفصيلي عن هذه الاصول هذا المقام، ولكن حيث إن عادة المتأخّرين من الاصوليين جرت على أن يبحثوا عنها تفصيلًا في مبحث مستقلّ تحت عنوان الاصول العمليّة فينبغي أن نتركه هنا ونحذو حذوهم.
أمّا المرحلة الثالثة: أو القسم الثالث من الأحكام العقليّة (وهي العلاقات والملازمات العقليّة بأن يحكم العقل بالتلازم ويحصل القطع به) فالمبحوث عنها في الاصول هي سبعة أبواب:
١- باب وجوب مقدّمة الواجب، فيدرك العقل في هذا الباب التلازم بين وجوب المقدّمة وذي المقدّمة.