أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٠ - المسألة الثانية في أحكام التجرّي
الوجه السادس: ما نقله المحقّق النائيني رحمه الله عن السيّد الشيرازي الكبير سيّد أساتذتنا، وهو مركّب من أربع مقدّمات:
الاولى: أنّ وظيفة المولى إرسال الرسل وإنزال الكتب، ووظيفة العبد وجوب الإطاعة بحكم العقل.
الثانية: أنّه فرق بين حسن الطاعة وقبح المعصية، وبين حسن الإحسان وقبح الظلم، لأنّ الأوّلين يرتبطان بسلسلة معاليل الأحكام والأخيرين يرتبطان بسلسلة علّلها.
الثالثة: أنّ المناط في حكم العقل باستحقاق العقاب هو إرتكاب ما يعلم مخالفته للتكليف لا ما يكون مخالفاً واقعاً، فالمهمّ إذن هو العلم بالتكليف لا إصابة ذلك العلم للواقع وإلّا لتعطّلت الأحكام حيث لا يمكن إحراز الإصابة في مورد، وعليه فالمتجرّي والعاصي على حدّ واحد من حيث وجود مناط استحقاق العقوبة فيهما.
الرابعة: أنّ الميزان في استحقاق العقوبة إمّا القبح الفعلي أو الفاعلي، والأوّل واضح البطلان إذ يلزم استحقاق العقاب على شرب الخمر واقعاً باعتقاد أنّه خلّ، فيتعيّن الثاني، وهو في المتجرّي والعاصي على حدّ سواء.
أقول: أوّلًا: لا دخل للمقدّمة الاولى والثانية في المقام مع صحّتهما في أنفسهما كما لا يخفى.
وثانياً: يصلح كلّ من المقدّمة الثالثة والرابعة أن يكون برهاناً مستقلًا على استحقاق المتجرّي للعقاب.
وثالثاً: (بالنسبة إلى قوله في المقدّمة الثالثة) المناط في حكم العقل باستحقاق العقاب ليس هو العلم بالتكليف فقط بل إنّنا نختار أنّ الإصابة للواقع أيضاً شرط، ولكنّها حاصلة لدى المتجرّي في نظره لأنّ القاطع يرى قطعه مطابقاً للواقع، فهو دائماً يحرز التكليف ويرى نفسه مستحقّاً للعقاب على تقدير المخالفة فلا يلزم تعطيل الأحكام.
ورابعاً: قوله في المقدّمة الرابعة مبني على انقسام القبح إلى خصوص الفعلي والفاعلي مع إنّا نختار وجهاً ثالثاً، وهو كون الميزان مجموع القبحين، فتكون التفرقة بين العاصي والمتجرّي صحيحة بلا لزوم إشكال.
فظهر إلى هنا عدم وجود دليل على حرمة المتجرّي واستحقاق العقاب عليه.