أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٣ - الأقوال في المسألة
قلنا: البحث في القصاص والديّات خارج عن محلّ النزاع، لأنّ النزاع في العقاب وعدمه، ونفي القصاص عنه في الدنيا لمصلحة خاصّة أو مفسدة خاصّة لا يلازم نفي العقاب في الآخرة، مضافاً إلى أنّ أحكام الحدود والديّات والقصاص لا تصاب بالعقول كما يشهد عليه قصّة أبان، فإنّ الحدّ مثلًا ثابت بالنسبة إلى معصية وغير ثابت بالنسبة إلى معصية اخرى أشدّ منها ظاهراً.
هذه هي أدلّة منكري الملازمة مع الجواب عن كلّ منها على حدة، ويمكن الجواب عن جميعها بالنقض بوجوب النظر في معجزة من يدّعي النبوّة ويقول: «انظروا في معجزتي لتعلموا صدقي» فلا إشكال في وجوب النظر عقلًا، ولو أنكرنا الملازمة وقلنا بلزوم الاكتفاء بالشرع لزم عدم وجوب هذا النظر وسدّ باب دعوة الأنبياء.
هذا كلّه في القول الثاني وهو إنكار الملازمة مطلقاً.
وأمّا القول الثالث: وهو ما ذهب إليه صاحب الفصول (من التفصيل بين حكم العقل بحسن التكليف وحكمه بحسن الفعل وأنّ الملازمة ثابتة في الأوّل دون الثاني) فقد ذكر لذلك وجوهاً:
أحدها: حسن التكليف الابتلائي فإنّ الضرورة قاضية بحسن أمر المولى عبده بما لا يستحقّ فاعله (من حيث إنّه فاعله) المدح في نظره استخباراً لأمر العبد أو إظهاراً لحاله عند غيره، ولو كان حسن التكليف مقصوراً على حسن الفعل لما حسن ذلك.
وحاصله: أنّ الأوامر الإمتحانيّة ممّا لا يمكن إنكارها مع عدم وجود الحسن في نفس الفعل بل في التكليف.
والجواب عن هذا الوجه يتمّ بذكر أمرين:
الأمر الأول: أنّه فرق بين الإمتحانات الإلهية والإمتحانات الواقعة من جانب الموالي العرفيّة، لأنّ الاولى ليست للاستخبار ولا معنى له فيها لأنّ اللَّه تبارك وتعالى عالم السرّ والخفيّات، بل إنّها أسباب تربوية لتكامل العباد ورشدهم وبمنزلة تمرينات يعمل بها قبل الورود في ميدان المسابقات، التي تعدّ نوعاً من التقوية والتهيّؤ الروحاني نظير التهيّؤ الجسماني، فتكون المصلحة في نفس الفعل والمقدّمات التي تتحقّق في الخارج، فإنّ جميعها تحوي على المصلحة، والمصلحة هي ما ذكر من التعليم والتربيّة والتقوية الروحانيّة كما حصلت لإبراهيم