أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦١ - الأقوال في المسألة
وهو العمدة في المقام، فلا تنجّز للأحكام العقليّة ولا يجب امتثالها في النتيجة، مع أنّ القائل بالملازمة يريد أن يجعل دليل العقل من الأدلّة الأربعة التي تنكشف بها القوانين الشرعيّة الإلزاميّة.
الثاني: أنّ العقل أيضاً داخل في زمرة الرسل، فإنّه رسول وحجّة باطنة كما أنّ النبي صلى الله عليه و آله حجّة ظاهرة، وقد ورد في رواية هشام: «أنّ للَّهعلى الناس حجّتين: حجّة ظاهرة وحجّة باطنة فأمّا الظاهر فالرسل والأنبياء والأئمّة عليهم السلام، وأمّا الباطنة فالعقول» [١] وفي رواية عبداللَّه بن سنان عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «حجّة اللَّه على العباد النبي، والحجّة فيما بين العباد وبين اللَّه العقل» [٢].
وفيه: أنّ الرسول في الآية بقرينة كلمة البعث ظاهر في الرسول الظاهري ومنصرف إلى الحجج الظاهرة.
الثالث: (وهو الحقّ) أنّ المراد من العذاب في الآية ليس مطلق العذاب، بل المراد منه عذاب الإستئصال الذي يوجب الهدم والهلاك في الدنيا كالطوفان لقوم نوح عليه السلام والغرق لقوم فرعون والصيحة السماويّة لأقوام اخر، فالآية إشارة إلى هذا النوع من العذاب، ولذلك عبّرت عنه بصيغة الماضي بقوله تعالى: «ما كنّا» ويشهد لذلك أيضاً ما وردت بعدها من قوله تعالى: «وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً» [٣]. ولا أقلّ من أنّه ليس للآية إطلاق يشمل غير عذاب الإستئصال فإنّها محفوفة بما يصلح للقرينة.
الرابع: أنّ الآية كناية عن إتمام الحجّة ويكون ذكر بعث الرسل فيها من باب الغلبة لأنّ جلّ الأحكام وصلت إلينا من طريق الأدلّة السمعيّة، فيكون مفاد الآية «إنّا لا نعذّب العباد حتّى نتمّ الحجّة عليهم» ويشهد على هذا قوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى» [٤].
وهذا الجواب أيضاً لا بأس به.
[١] اصول الكافي: باب العقل والجهل، ح ١٢.
[٢] المصدر السابق: ح ٢٢.
[٣] سورة الإسراء: الآية ١٦ و ١٧.
[٤] سورة طه: الآية ١٣٤.