أُصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٧٧ - أدلة الشاطبي على حجّية رأي الصحابي
الإجماع فليس من باب السنّة، وإن كان الغرض ما جرى العمل عليه في عهدهم، وإن لم يتّفقوا عليه، فهذا ليس بدليل شرعي يتقيّد به المجتهد.
وقد يقال: أنّه عند الاختلاف لا تخرج سنتهم عن كونها حجّة في نفسها كأخبار الآحاد والنصوص الظاهرة، وعلى هذا يكون سنّة قولاً وفعلاً في غير موضع الإجماع منهم، تعدّ سنّة كخبر الآحاد فيعوّّل عليها ويرجع إليها كحجّة ظنية. وهذا المعنى مأخوذ من كلام الآمدي في مذهب الصحابة.[ ١ ]
يلاحظ عليه: أنّ قياس رأي الصحابة وسنّتهم، على خبر الواحد، قياس مع الفارق، فإنّ الثاني يروي عن المعصوم ويسنده إليه، فيدخل في باب السنّة المحكية بواسطة الثقة، بخلاف سنّة الصحابي، فهي مرددة بين النقل عن المعصوم، والاستنباط عن الكتاب والسنّة، ومع هذا التردد كيف يجوز للمجتهد أن يأخذ بها، إذ لو كان رأي الصحابي لا يكون حجّة عليه.
على أنّك قد عرفت أنّ الأصل في الظن هو عدم الحجّية، والشكّ فيها يساوق القطع بعدمها، فكيف يُؤخذ بهذا الظن مع عدم دليل دالّ عليه.
الدليل الرابع: ما جاء في الأحاديث من إيجاب محبّتهم وذم ّمن أبغضهم، وانّ من أحبّهم فقد أحبّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومن أبغضهم فقد أبغض النبي عليه الصلاة والسلام، وما ذاك من جهة كونهم رأوه أو جاوروه أو حاوروه فقط، إذ لا مزية في ذلك، وإنّما هو لشدة متابعتهم له وأخذهم أنفسهم بالعمل على سنّته، مع حمايته ونصرته، ومن كان بهذه المثابة حقيق أن يتّخذ قدوة، وتجعل سيرته قبلة، ولما بالغ مالك في هذا المعنى بالنسبة إلى الصحابة أو من اهتدى بهديهم واستنّ بسنّتهم جعله اللّه تعالى قدوة لغيره في ذلك، فقد كان المعاصرون لمالك يتبعون آثاره
[١] الموافقات:٤/٥٧، قسم التعليقة بتلخيص.