أُصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩٦ - ٦ الفرق بين علّة الحكم وحكمته
العلّة.
قلت: قد دلّ الدليل الخارجي على حرمته، ولولاه لما قلنا بحرمته. وإنّما حرّم الشارع القليل منه، لأنّ الإنسان إذا شرب القليل فسوف تدعوه نفسه إلى شرب أكثر وربّما ينتهي الأمر إلى شرب ما يُسكر.
ب. إذا لم يكن الحكم دائراً مدار ما يتوهم أنّه علّة، بل كان أوسع منها، فهي حكمة الحكم، وهذا كما في المثال التالي:
إنّه سبحانه تبارك وتعالى فرض على المطلّقة تربص ثلاثة قروء بُغية استعلامِ حالها من حيث الحمل وعدمه، وأضاف سبحانه بأنّها لو كانت حاملاً فعدتها وضع حملها. قال تعالى:
(وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحامِهنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ).[ ١ ]
وقال في آية أُخرى: (وَأُولاتُ الأَحْمالِ أَجَلهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ).[ ٢ ]
ولكن ليس استعلام حال المطلقة ملاكاً للحكم وعلّة لوجوب الاعتداد، وإنّما هو من حِكَمِ الحُكْم الّتي تلازمه في أكثر موارده. ولذلك لو علم حال المطلقة وخلوِّ رحمها عن الحمل بسبب غيبة زوجها عنها مدّة سنة، أو انكشفت حالها بواسطة الطرق العلمية المفيدة لليقين، فمع ذلك كلّه يجب عليها الاعتداد، وليس لها ترك الاعتداد بحجة أنّ رحمها خال عن الحمل فلا فائدة في الاعتداد.
كلّ ذلك يعرب عن أنّ الاستعلام يمثّل حكمة الحكم لا علّته، فليس الحكم دائراً مداره.
[١] البقرة:٢٢٨.
[٢] الطلاق:٤.