أُصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٤٤ - القول الحاسم في إعمال الحيل
مثاله: انّ مبادلة التمر الرديء بالجيّد تفاضلاً رباً محرّم، ولكنّ بيع كلّ على حدة أمر جائز، وإن كانت النتيجة في كلا الأمرين واحدة، ولكن الحرام هو سلوك الطريق الثاني لا الأوّل. وإن كانت النتيجة واحدة وليس للعقل الإنساني الإحاطة بعامة المصالح والمفاسد.
وهذا القسم خارج عن محلّ النزاع أيضاً، لأنّه فيما إذا احتال وتوصّل بالحلال إلى الحرام، وأمّا هنا فقد توصّل بالحلال إلى الحلال.
الثالث: إذا كان السبب غير مؤثر في حصول النتيجة شرعاً، فالتوصّل في مثله محرّم غير ناتج، وذلك كالمثال الذي نقله الإمام البخاري عن أبي حنيفة وانّه أفتى فيما إذا غصب الرجل جارية، فزعم انّها ماتت فقضى بقيمة الجارية الميتة، وانّ الجارية للغاصب وإن تبيّن بعدُ انّها حيّة، وليس لصاحبها أخذها إذا وجدها حيّة.
وغير خفي أنّ زعم الغاصب موت الجارية لا يخرجها عن ملك صاحبها، ولا يوجب اشتغال ذمة الغاصب بقيمتها، بل تبقى الجارية على ملكية المالك، فلو ظهر حياتها انكشف انّ القضاء بردّ القيمة، كان باطلاً من أصله.
ومن خلاله ظهر أنّ السبب(زعم الغاصب موت الجارية) غير مؤثر في الانتقال فلا يقع ذريعة لتملّكها، وهو الذي رتّب عليه البخاري رداً على أبي حنيفة وقال: إنّه يحتال من اشتهى جارية رجل لا يبيعها، فغصبها واعتلّ بأنّها ماتت حتّى يأخذ ربّها قيمتها، فيطيب للغاصب جارية غيره.[ ١ ]
لما عرفت من أنّ اعتقاد الغاصب بموت الجارية جازماً لا يكون سبباً لخروج الجارية عن ملك صاحبها وخروج قيمتها عن ملك الغاصب، فكيف إذا كان
[١] صحيح البخاري:٩/٣٣، كتاب الإكراه.