أُصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩٣ - ٤ إمكان التعبّد بالقياس
وعلى هذا درج الإمامية عبر العصور، هذا هو الشيخ الطوسي (٣٨٥ـ ٤٦٠هـ) وابن زهرة الحلبي (٥١١ـ ٥٨٨هـ)، صرّحا بجواز التعبّد به عقلاً بلفظ واحد قالا: ويجوز من جهة العقل التعبّد بالقياس في الشرعيات، لأنّه يمكن أن يكون طريقاً إلى معرفة الأحكام الشرعية ودليلاً عليها، ألا ترى أنّه لا فرق في العلم بتحريم النبيذ المسكر مثلاً بين أن ينصّ الشارع على تحريم جميع المسكر، وبين أن ينصّ على تحريم الخمر بعينها، وينص على أنّ العلّة في هذا التحريم الشدّة.
ولا فرق بين أن ينص على العلّة، وبين أن يدلّ بغير النص على أنّ تحريم الخمر لشدّتها، أو ينصب لنا أمارة تغلب في الظن عندها انّ تحريم الخمر لهذه العلّة مع إيجابه القياس علينا في هذه الوجوه كلّها، لأنّ كلّ طريق منها، يوصل إلى العلم بتحريم النبيذ المسكر، ومن منع من جواز ورود العبادة بأحدها كمن صنع من جواز ورودها بالباقي.[ ١ ]
هذان المذهبان هما المهمان، وهناك مذاهب أُخرى أشار إليها الشيخ الطوسي في «العدّة» فمن أراد التفصيل فليرجع إليها.[ ٢ ]
وخلاصة الكلام: أنّ القياس دليل ظنّي كسائر الظنون: مثل خبر الواحد، والإجماع المنقول به، فكما يجوز ـ عند العقل ـ أن يأمر الشارع بالعمل بهما، كذلك القياس، والمحاذير المتوهمة في العمل بالقياس، أعني:
المحاذير الملاكية.
والمحاذير المبادئية.
[١] غنية النزوع: ٣٨٦، قسم الأُصول، الطبعة الحديثة. قوله:«يوصل إلى العلم» أي إذا كان الدليل الدالّ على هذه التسوية دليلاً قطعيّاً.
[٢] عدة الأُصول: ٢/٦٥٠ـ ٦٩٢; ولاحظ الذريعة:٢/٦٧٥ـ ٦٨٠.