تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٤٦١ - ١١٤٧ ـ الحارث بن عميرة الزّبيدي الحارثي
فلما أن قضى نحبه انطلق الحارث حتى أتى أبا الدّرداء بحمص ، فمكث عنده ما شاء الله أن يمكث ، ثم قال الحارث : إن أخي معاذا كذا أوصاني بك وبسلمان الفارسي وبابن أمّ عبد ، فلا أراني إلّا منطلقا قبل العراق. فقدم الحارث الكوفة ثم أخذ يحضر مجلس ابن أمّ عبد بكرة وعشيا ، فبينما هو كذلك في المجلس يوما قال ابن أمّ عبد : ممّن أنت يا ابن أخي؟ قال الحارث : امرؤ من أهل الشام. فقال ابن أمّ عبد : نعم الحي أهل الشام لو لا واحدة فقال الحارث : وما تلك الواحدة؟ قال : لو لا أنّهم يشهدون على أنفسهم أنهم من أهل الجنة. فاسترجع الحارث مرتين أو ثلاثا ، قال : صدق معاذ ما قال لي قال ابن أمّ عبد : ما قال لك معاذ ابن أخ؟ قال : حذرني ذلة العالم ، قال : والله ما أنت يا ابن مسعود إلّا أحد رجلين ، إمّا رجل أصبح على يقين من الله ويشهد أن لا إله إلّا الله وأنت من أهل الجنة أم رجل مرتاب لا تدري أين منزلك. قال ابن مسعود : صدقت يا ابن أخي إنها زلة مني فلا تؤاخذني بها فأخذ ابن مسعود بيد الحارث فانطلق به إلى رحله فمكث عنده ما شاء الله أن يمكث.
ثم قال الحارث : لا بد لي من [أن] أطلع أبا عبد الله سلمان إلى المدائن ، فانطلق الحارث حتى قدم على سلمان في المدائن ، فوجده في مدبغة له يعرك الأهب بكفيه ، فلمّا أن سلّم عليه قال : مكانك حتى [١] أخرج إليك ، قال الحارث : والله ما أراك تعرفني يا أبا عبد الله ، قال : بلى قد عرفت روحي روحك قبل أن أعرفك ، فإن الأرواح عند الله جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف. فمكث عنده ما شاء الله أن يمكث ثم رجع إلى الشام.
فأولئك الذين كانوا يتعارفون [٢] في الله ويتزاورون فيه ، اللهمّ اجعلنا منهم يا ربّ العالمين آمين آمين آمين.
قرأت على أبي غالب بن البنّا ، عن أبي محمّد الجوهري ، أنبأنا أبو عمر بن حيّوية ، أنبأنا أحمد بن معروف ، نبأنا الحسين بن الفهم ، نبأنا محمّد بن سعد [٣] ، أنبأنا عبيد الله بن موسى ، عن شيبان ، عن الأعمش ، عن شهر ، عن الحارث بن عميرة
[١] مطموسة بالأصل والمثبت عن مختصر ابن منظور ٦ / ١٦٢.
[٢] الأصل : «يتعارون» والمثبت عن المختصر.
[٣] طبقات ابن سعد ٧ / ٣٨٨ و ٣٨٩.