تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٩٦ - ١١١٩ ـ حارثة بن بدر بن حصين بن قطن بن مالك بن عدانة بن يربوع ، ويقال حارثة بن بدر بن مالك بن كليب بن غدانة بن يربوع أبو العنبس الغداني التميمي البصري
فلما قفل من تلك المغازي وانتهى بنيسابور اشتكى بها ، وكان معه غلام له يسمّى كعبا. كان كعب مولعا بالشراب يخرج عند أوّل النهار ولا يعود حتى يظلم الليل ، وإذا دعاه لم يجبه ولم يشبع بشيء منه ، فعيل صبره واغتاظ وقدم عليه نفر من رهطه ، فسألوا عنه فوجدوه مريضا مدنفا فلما رأوا حاله قالوا : نحملك؟ قال : ما في محمل ، قالوا : فنقيم عليك حتى يقضي الله في أمرك ما شاء. قال : كلّا إني عزفت شوق العاقل فاستوثق منهم باليمين وأخذ منهم ليفعلن بغلامه ما يأمرهم به ، وقد عرضوا عليه النفقة فقال : انظروا ما في الخرج ، فنظروا فإذا بقية فاضلة قال : إن غلامي هذا قد أبى عليّ واستعصى فهو لا ينفعني وقص عليهم قصته ، فذهبوا وأقاموه وهو سكران فدعاه فلم يجبه فنادى أصحابه فأمرهم بأخذه والاستيثاق منه ، ففعلوا وتركوه مقموطا حتى أصبحوا ثم قال : رضوا ما بين أطراف أصابعه إلى مرفقه وأصابع رجليه إلى ركبتيه ففعلوا ذلك ثم قال : اطرحوه في ناحية البيت حيث أنظر إليه وطفق [١] يقول :
| يا كعب ما راح من قوم ولا ابتكروا | إلّا وللموت في آثارهم حادي | |
| يا كعب ما طلعت شمس ولا غربت | إلّا تقرّب آجالا لميعادي | |
| لا خير في عيش من يحيى وليس له | ذوو ظعائن لا تخفى وأحقادي | |
| ذهب الرجال فسدت غير مدافع | ومن البلاء تفردي بالسادي | |
| وما تحمل قوم نحو طيّتهم | إلّا وللموت في آثارهم حادي | |
| يا كعب كم من حمى قوم نزلت به | على صواعق من زجر وإيعادي | |
| يا كعب صبرا [٢] ولا تجزع على أحد | يا كعب لم يبق منها غير أجلادي | |
| فيما نقلت أرواح يحشر جها | كرائح داخل أو باكر غادي | |
| إنّي وإيّاك والأمثال نضربها | في حين زجر على قرب وابعادي | |
| لكالذي قال يوما في معاتبة | والناس شتّى الا لله أجدادي | |
| لا ألفينك بعد الموت تندبني | وفي حياتي ما زوّدتني زادي | |
| انظر إلى ملك دهر أنت تاركه | هل ترأسين أواخية بأوتادي |
[١] في رواية في الأغاني ٨ / ٤٢٤ أنه طلب إليهم قال : اكسروا رجل مولاي كعب لئلا يبرح من عندي فإنه يؤنسني.
[٢] الأغاني : يا كعب مهلا ... غير أجساد.