ذوب النضار في شرح الثار - ابن نما الحلي - الصفحة ٩ - المقدّمة
إلى حلاوة ما وعدتها فراعنتها، و لم يكن قد خطر ببالها أنّ هذه الوعود زائفة سوف تكون هباء منثورا، و هي و إن تحقّقت فلم تكن الدنيا قد بقيت لأحد، و لو بقي عليها أحد لكانت للأنبياء أحقّ بالبقاء و أولى بالرضا، غير أنّ اللّه خلق الدنيا للبلاء، و خلق أهلها للفناء، فجديدها بال، و نعيمها مضمحلّ، و سرورها مكفهر، فتمادت في غيّها و إصرارها، و آثرت أطمار الذلّة و في ظلّ الجبابرة.
و كانت نتيجة تكالب ذلك الدجل و النفاق قد زلزلت الأفئدة، و خيّل للناس كأنّ الشمس قد كسفت، و انّ النجوم قد غارت و تناثرت، و انّ السماء تمطر دما، و هواتف الجنّ يسمعونها من كلّ جانب صارخة: لقد قتلتم ابن نبيّكم، و استأصلتم عترة رسولكم، فانتظروا العذاب و الخزي في الدنيا و الآخرة.
أمّا صاحب هذه الذكرى الخالدة فقد احتلّ كلّ قلب يبتسم للحقّ و الخير و العدالة و نصرة الضعيف و المظلوم، و يحقد على الظالمين و الطغاة المستبدّين و الخونة و المنافقين، و يضحّي في سبيل اللّه- تعالى بنفسه و بكلّ ما يملك من مال و بنين.
و مهّدت له الأرض التي تشرّفت بوطء قدمه لها مرقدا مباركا يفد إليه المسلمون مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لتبقى قصّة آلامه المثيرة حديث الأجيال و الأعوام.
بيد انّ الستار لم يسدل حتى تتبدّل الأرض و من عليها فقد قيّض اللّه تعالى رجالا و نساء لدحض الباطل و إعلاء كلمته.
فلم تمض بطلة الرسالة الطاهرة إلّا بعد أن أفسدت على الطغاة المستهترين لذّة النصر، و سكبت قطرات من السمّ الزعاف في كؤوس الظافرين، فكانت لهم فرحة لم تطل، و كان نصرا مؤقّتا لم يلبث أن