بحوث في الأصول - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٨٢ - مسألة
و الظاهر من هذه الأوصاف إذا أطلقت على شيء كون الصدق و الإطلاق بلحاظ الاقتضاء، كما في قولنا: النار محرقة، و الشمس مشرقة، و السنا مسهل، و السمّ قاتل، إلى غير ذلك من الإطلاقات.
ثمّ إنّ الصحيحة المتقدّمة [١] قد اشتملت، أوّلا على تعريف العدالة بالستر و العفاف و كفّ الجوارح الأربع، و ثانيا على قوله (عليه السَّلام): «و تعرف باجتناب الكبائر ... إلخ» و ثالثا على قوله (عليه السَّلام): «و الدلالة على ذلك كله أن يكون ساترا لعيوبه ... إلخ»، و قد اختلف في كون التعاريف الثلاثة تعريفا منطقيا، أو من باب المعرّف الجعلي الأصولي، أو كون الوسط متمما للمعرّف الأول، أو معرّفا للمعرّف الأوّل.
و قد أشكل على كل شق ببعض الإشكالات المذكورة في كلام الشيخ العلّامة (قدّس سرّه) في رسالة العدالة [٢].
و التحقيق أنّ العدالة الشرعية هي الاستقامة المطلقة العملية على جادة الشرع، و لازم الاستقامة على الجادة اختيارا أمران، أحدهما: عدم الانحراف ذات اليمين و ذات الشمال، و ثانيهما: الكف عن الانحراف و التحفظ و الصون عنه، نظرا إلى أنّ المراد من الاجتناب ليس هو الترك و لو لعدم الابتلاء أو عدم الداعي، بل الترك مع وجود الداعي بمدافعة الهوى، و ترجيح جانب الفعل على الترك في الواجبات، و ترجيح جانب الترك على الفعل في المحرمات، فيكون حافظا لنفسه عن الوقوع في المعصية بترجيحه المزبور، فالصون و الحفظ و العفاف عنوان توليدي من ترجيح جانب الفعل على الترك و العكس، لا عنوان منتزع من نفس الفعل أو الترك، و لهذه الجهة نقول: إنّ هذه العناوين متقدمة طبعا
[١] الوسائل: ج ١٨، باب ٤١ من أبواب الشهادات، ح ١.
[٢] رسالة العدالة المطبوعة في آخر كتاب المكاسب، ص ٣٢٧- ٣٢٨.