بحوث في الأصول - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٥٠ - مسألة
الواضح أنّ منجّزيّة الفتوى المعمول على طبقها و معذّريتها لا تمنع عن منجّزيّة الأخرى و معذّريتها، و كلّ منهما في عرض الأخرى، و ليس هناك حكم بنحو التخيير من الشارع غير هذين الحكمين أعني الحجيّة الثابتة لكلّ منهما، بل الأمر كذلك لو قلنا بأنّ الطريقيّة جعل الحكم المماثل على طبق الموافق للواقع، فمع فرض بقاء الحكم في صورة التعارض يكون الحكم المماثل على طبق الراجح أو على طبق كلّ منهما تخييرا، فكما أنّ مرجع الأمر بالأخذ بالأعدل جعل الحكم على طبقه فعلا، كذلك مرجع الأمر بالتخيير بقوله (عليه السَّلام): (إذن فتخيّر) [١] إلى جعل الحكم على طبق كلّ من الخبرين تخييرا، فلا حاكم و لا محكوم أيضا، كما أنّ استصحاب الحكم المختار لا يوجب تعيّنه بوجه.
نعم إن قلنا بلزوم الالتزام بالحكم، فالحكم بالالتزام بهذا أو ذاك أمر، و وجوب القصر أو وجوب الإتمام أمر آخر، فيتحقق هناك حاكم و محكوم، إلّا أنّ وجوب الالتزام بالحكم لو ثبت فانّما هو في مسألة التقليد لا في العمل بالخبرين أيضا، مع ما عرفت سابقا من أنّ التقليد كما تقتضيه أدلته هو العمل لا الالتزام، مضافا إلى أنّه لا معنى للالتزام إلّا بالحكم الفعلي، و لا يعقل أن يكون كلا الحكمين بنحو التعيين فعليّا، لمكان المعارضة، فلا محالة تحقيقا للالتزام بهذا أو ذاك يجب أن يكون الحكمان فعليين تخييريين، و عليه فاستصحاب الحكم المختار لا يوجب تعيّنه بوجه، بل مقتضى الاستصحاب بقاء كلّ من الحكمين على ما هو عليه، مضافا إلى أنّ فرض الحكومة الاصطلاحية هنا لا يخلو من إشكال و إن تكرر ذكرها في كلماته (قدّس سرّه) فقها و أصولا، و ذلك لأنّ جواز الالتزام بالحكم المفتي به بالإضافة إلى الحكم المأخوذ كالحكم بالإضافة إلى موضوعه، و ليس الحكم المأخوذ مترتبا شرعا على
[١] مستدرك الوسائل: ج ٣، باب ٩ صفات القاضي، ح ٢.