بحوث في الأصول - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٢٠ - تتمّة في حقيقة التوبة و وجوبها
الميزان، و هي عبارة عن القضايا التي تطابقت عليها آراء العقلاء حفظا للنظام و إبقاء للنوع، فانّ أول موجبات البقاء و دوافع اختلال النظام بناؤهم عملا على مدح فاعل بعض الأفعال و قدح فاعل بعضها الآخر، كحسن العدل و الإحسان و قبح الظلم و العدوان المنتهية إليهما سائر القضايا، فمعصية العبد لسيده حيث إنّها خروج عن زيّ الرّقّية و رسم العبودية ظلم منه عليه، فيستحق الذمّ و العقاب، لأنّ الظلم بنوعه يؤدّي إلى اختلال النظام و بتركه يبقى النظام محفوظا، و من الواضح أنّ الإقدام على العقوبة الأخروية ليس إقداما على ما يرتبط بهذا النظام حتى يلزم منه الاختلال و فساد النوع، بل لو ترتب هذا الضرر لترتب في عالم آخر، فافهم و تدبّر.
فالتحقيق في حكم التوبة أنّ بعض مراتبها كالإيمان بالعقوبة المنبعث منه الندم من المعارف الواجبة سواء صدرت منه معصية أم لا، بل يجب التصديق بمعاقبة الكفار و العصاة و إن لم يكن المصدّق منهم، و أمّا حبّ المعصية و بغضها بما هي معصية فحكمه معلوم لا يتفاوت فيه المعاصي و غيره، و أمّا حب ذات المعصية لا بما هي معصية فليس بأقوى من العزم عليها، و لا شيء على العزم عليها فلا يحرم شرعا و إن كان من مساوي الأخلاق.
و أمّا المرتبتان الأخيرتان فهما واجبتان شرعا، لا من حيث إسقاط العقاب، بل ترك المعصية في الحال كتركها في الماضي واجب، و كذا القضاء كالأداء واجب شرعا، و هكذا إيفاء حقوق الناس في كلّ آن لازم و حبسها عنهم في كلّ آن حرام، لا من حيث إسقاط العقاب.
فبقي التندّم و العزم على العدم و طلب المغفرة، و هذه الأمور بذواتها و بما هي مسقطة لعقاب المعصية غير واجبة شرعا و لا عقلا بملاك التحسين و التقبيح، بل مما لا بدّ منه في النجاة من العقاب و الخلاص من العذاب، فكل عاقل ملتفت محبّ لنفسه تحصل فيه هذه الحالات قهرا، و من كان محتاجا إلى تهيئة أسباب