شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٩٧
الممكنات، بل إحاطة بالصنع والقدرة والتقدير، ومعية بالعلم والحفظ والتدبير كما قال: * (وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير) * فقد أشار (عليه السلام) إلى أنه لا يصح السؤال عنه بأين هو، لأن السؤال عن شئ بأين هو سؤال عن مكانه باعتبار حصوله فيه واختصاصه به وهو في حقه - تعالى شأنه - محال لأنه في جميع الأمكنة لا باعتبار الحصول فيها والافتقار إليها، لأن الحال في المكان لا يجوز أن يكون (١) في آن واحد في جميع الأمكنة بالضرورة بل بالاعتبار العلم والإحاطة، ومن هاهنا ظهر أنه لا مكان له فلا يصح أن يقال أين هو (وهو قوله * (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا وهو معهم) * أي ولا أقل من ذلك المذكور كالواحد والاثنين ولا أكثر من ذلك كالأربعة والستة وما فوقها إلا هو معهم بالعلم والإحاطة * (يعلم ما يسرون وما يعلنون) * (أينما كانوا) سواء كانوا في مقام طاعة الله تعالى أو في مقام معصيته، وسواء كانوا في أمكنة متقاربة أو في أمكنة متباعدة، لأن قربه بالأشياء ليس قربا مكانيا، وعلمه بها ليس لقرب مكاني حتى يختلف باختلاف الأمكنة في القرب والبعد، ومن البين أن من كان كذلك يستحيل أن يكون في مكان بمعنى الاستقرار فيه وإلا لاختلفت نسبة الأمكنة وغيرها إليه (فالكرسي محيط بالسماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى) لما أشار إلى أن العرش هو العلم بالموجودات أشار هنا بالتفريع للتنبيه على المماثلة إلى أن الكرسي أيضا بمعناه وهو العلم بها دفعا لتوهم السائل فيه أيضا، وقد سئل الصادق (عليه السلام) عن قوله عزوجل * (وسع كرسيه السموات والأرض) * قال: علمه. (٢) * (وإن تجهر بالقول فأنه يعلم السر وأخفى) * من السر وهو حديث النفس، وفي اقتباس هذه الآية إشارة إلى أن المراد بالكرسي هو العلم المحيط بجميع الأشياء وأن العلم بجليات الأمور وخفياتها على السواء (وذلك قوله تعالى * (وسع كرسيه السموات والأرض) *) يريد أن الكرسي فيه بمعنى العلم ودل عليه أيضا الرواية المذكورة وما قبل هذه الآية ولذلك ذهب إليه بعض المفسرين، وينبغي أن يعلم أن كثيرا ما يطلق الكرسي على الجسم المحيط بالسماوات السبع وما بينهما ولعله الفلك المشهور بفلك ١ - قوله: " لأن الحال في المكان لا يجوز أن يكون اه " إن تأولنا إحاطته بكل شئ بالعلم لم يناف ذلك تجسمه وحلوله في مكان واحد إذ يجوز أن يكون شئ حالا في مكان خاص ويعلم جميع الأشياء ويحيط بها إحاطة علمية فلا يصح قوله ظهر أنه لا مكان له، ألا ترى أن الإنسان يعلم البلاد البعيدة ويحيط علمه بالأفلاك والكواكب مع كونه في نقطة من الأرض، فما ذكره أولا من قوله " بل إحاطة بالصنع والقدرة والتقدير ومعية بالحفظ " أقرب إلى الواقع والمحيط الجسماني قاهر للمحاط ومانع له عن كل شئ يريد منعه بخلاف المحاط فإنه لا يقدر على المحيط، لذا استعير اللفظان للواجب والممكن. (ش) ٢ - رواه الصدوق - رحمه الله - في كتاب الاعتقادات. (*)