شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٢٤
فقال: قاتلهم الله لقد حذفوا أول الحديث إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مر برجلين يتسابان فسمع أحدهما يقول لصاحبه " قبح الله وجهك ووجه من يشبهك " فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): " يا عبد الله لا تقل هذا لأخيك فإن الله عز وجل خلق آدم على صورته " وفيما روياه دلالة واضحة على أن الرواية المذكورة كاذبة محرفة عن وجهها وأن الضمير المجرور في " صورته " يعود إلى الرجل المسبوب وإنما لم يجب الباقر (عليه السلام) بما أجاب به خلفه الطاهر الرضا وحكم بأن الضمير يعود إليه سبحانه وأن الإضافة للتشريف والاصطفاء للتنبيه على أن هذه الرواية على تقدير صحتها لادلالة فيها على ما هو مطلوبهم من أن له تعالى صورة كصورة آدم، وبالجملة هم يستدلون بهذه الرواية على ذلك المطلوب ونحن ما نعون فنمنع أولا صحتها وثانيا دلالتها على ذلك المطلوب بإرشاد الأئمة (عليهم السلام) على أن لنا أيضا أن نقول يعود الضمير إلى آدم ولا يلزم خلوه عن الفائدة لما أشرنا إليه في باب النهي عن الصورة، ويؤيده ما رواه مسلم في آخر باب صفة الجنة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذارعا فلما خلقه قال: إذهب وسلم على أولئك وهم نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك، قال: فذهب فقال: السلام عليكم فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، قال فزادوه: ورحمة الله. قال: فكل من دخل على الجنة على صورة آدم وطوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن ". قال عياض ذكر الطول هنا يرفع الإشكال ويوضح أن الضمير في صورته يعود إلى آدم نفسه وأن = يهلك به الصالح والطالح والشيخ الكبير والطفل الصغير لأنه يرى كل ذلك ينافي رقة القلب التي جعلت في الإنسان لتجنبه من الإفساد وتنفره من الظلم والله تعالى منزه من الإفساد والظلم والرقة والقسوة، وكل ما يفعل فهو بعلمه العنائي وحكمته الكاملة لا يمنعه من إنفاذه كما لم يمنع الأنبياء المجاهدين في سبيل الله عن إهلاك الكفار رقة، ورقته تنافي الحكمة، وأعلم أن كل غريزة وصفة خلقها الله في الإنسان لغاية حكمية يحتاج إليها فكل ما يستحسنه يميل إليه بطبعه أو يتنفر عنه ويفر منه فهو لحاجة مثلا يستحسن الماء والخضر والأشجار والأزهار جعله الله فيه ليرغب في عمران الأرض وتكثير الحرث وأرزاق العباد ويستحسن الرجل النساء الحسان والمرأة الرجل لبقاء النسل ويخاف من الظلمة، لأن النور معين له في جلب المنافع ودفع المضار ويتنفر من القذر والنتن لحفظ الصحة ويخاف من الموتى ليسهل عليه دفن أعزته في التراب وخلق فيه الترحم بالنسبة إلى الضعاف والصغار والمحبة للأصدقاء والرقة والغضب والحزن وغير ذلك ومرجع جميعها إلى الحاجة وجل الحق تعالى عن الحاجة فلا يعقل إثبات هذه الصفات له. وربما يعترض الملاحدة على الموحدين بأن الله أرحم الراحمين في اعتقادكم كيف يخلق الشر والآفة ونقص الأعضاء والأوجاع ونحن نعالج ونشفى يريدون بذلك أن ينسبوا تلك كلها إلى طبيعة لا تفعل ما تفعل لغرض، والجواب: أنه تعالى ليس على صفات البشر ولا يقاس فعله على فعله وما ذكرتم أمور يفعلها الله تعالى لمصلحة وان كانت تخالف رقة القلب التي في الإنسان وحب الحياة والبقاء فيه كما أنه ليس هذه الرقة لجراح يقطع الطفل الصغير قطعا في رحم المرأة لتسلم أمها. (ش) (*)