شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٠٢
يستدلون من ذلك على وجود مبدأ أول. (الذي سئلت الأنبياء عنه فلم تصفه بحد ولا ببعض) لامتناعهما في حقه، أما الحد فلأنه ليس له حقيقة مركبة من الذاتيات ولا امتداد منته إلى النهايات، وأما البعض فلأنه ليس له أبعاض لاستحالة التجزية والتكثر على جناب القدس (بل وصفته بفعاله ودلت عليه بآياته) فإنهم أرشدوا العقول الناقصة إلى الشهادة بوجوده بالنظر في أفعاله العجيبة وآياته الغريبة والتأمل في آثار قدرته وأطوار صنعته والتفكر في لطايف تدبيره وطرائف تقديره وبينوا أن كل ما تصورته النفوس من الصور العقلية وأدركته الحواس من الصور الحسية وجب تنزيهه تعالى عنه، وأن الواجب هو الإذعان بوجوده إذعانا بريئا من المواد وعلايقها مجردا عن مدركات الحواس ولواحقها من الأين والوضع والجهة والمقدار وغير ذلك من لواحق الممكنات وخواص المصنوعات. (لا يستطيع عقول المتفكرين جحده، لأن من كانت السموات والأرض فطرته وما فيهن وما بينهن وهو الصانع لهن فلا مدفع لقدرته)، لأن هذه المصنوعات آيات ظاهرة على وجوده وحكمته وعلامات باهرة على علمه وقدرته لكن ظهورها للعقول يتفاوت بحسب تفاوت مراتب الاستعداد والتفكر على درجات متباعدة ومنازل متفاوتة ومن جحده فإنما جحده لعدم تفكره في ذواتها وسوء تدبره في صفاتها التي كلها شواهد صدق على وجوده ووحدته في الربوبية وتفرده في الإلهية وتنزهه عن صفات المخلوقين وتقدسه عن سمات المصنوعين مع إقرار العقل بدون معارضة الوهم بالتصديق له حتى إن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله. ولذلك إذا وقعوا في مصيبة ودخلوا في بلية كالغرق ونحوه لم يجدوا ملجأ سواه ولم يدعوا إلا إياه. = أن له غاية يتوخى الوصول إليها بالطبع فيتحرك لتحصيل تلك الغاية ولا يعقل أن يكون الحركة كمالا أولا بحيث تكون هي بنفسها غاية ومقصودة، لأن نيل المقصود يقتضي السكون والقرار لا الانتقال والفرار والغاية لكل شئ الذي ينتهي إليه الحركات هو الله تعالى وهو المحرك غير المتحرك، منه المبدأ وإليه المصير. والحركة الذاتية بغير ذلك من الآيات. فإن قيل: غاية الحركة في الجسم تحصيل الحالة الطبيعية كما أشرت إليه ولا يجب أن ينتهى إلى المبدأ الأول فالماء مثلا إذا سخن بالقسر ثم خلى وطبعه تحرك إلى البرودة فإذا حصلت سكن لأنه وصل إلى غايته. قلت: كل شئ خلق على صفاته الطبيعية ولو لم يكن قاسر يخرج شيئا عما هو عليه طبعا لسكن العالم بأسره وبجميع أجزائه على حالة واحدة ولم يحدث شئ موجود ولم يفن شئ موجود ولكن هنا قاسرا لكل شئ يخرجه عن مقتضى طباعه فننقل الكلام إلى ذلك القاسر وتحريكه وغايته في التحريك فلا بد أن ينتهى إلى قاسر ثان يحرك القاسر الأول فإن كان هو أيضا متحركا احتيج إلى قاسر ثالث فإن كان غير متحرك ثبت المبدأ المحرك غير المتحرك، وهو المطلوب لبطلان التسلسل. وإن كان متحركا احتاج إلى محرك غير طبيعة وهكذا. (ش) (*)