شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٩٤
فلان خلي منك أي برئ. (ومن قال: ما هو، فقد نعته) بأنه محدود معروف بكنه حقيقته، لأن " ما هو " سؤال عن ذلك، وهو جهل به، إذ لا يعرف حقيقته إلا هو (ومن قال: إلى م، فقد غياه) أي جعل لوجوده غاية ينتهي فيها وينقطع بالوصول إليها وهذا محال على الوجود الحق بالذات (عالم إذ لا معلوم)، لأن علمه بالأشياء بنفس ذاته التي هي مبدأ لانكشاف الأشياء عندها لا يتوقف على وجود الأشياء بل علمه بها قبل كونها كعلمه بها بعد كونها. (وخالق إذ لا مخلوق) الخلق بمعنى التقدير وهو مقدر للأشياء في الأزل قبل وجودها، ولو أريد بالخلق معنى الإيجاد لورد أن الخالقية بهذا المعنى مع المخلوق لا قبله (١) وفي الأزل، اللهم إلا أن يقال: اتصافه تعالى بوصف الإيجاد قبل المخلوق، لأن إيجاد الشئ عبارة عن إعطاء الوجود إياه فهو مقدم بالذات على وجود ذلك الشئ لاستحالة إيجاد الموجود، ولكن فيه بعد من وجهين، الأول: أن هذا التوجيه يجعل الكلام قليل الفائدة لظهور أن إيجاد كل شئ قبل وجوده فلا فائدة في التعرض لبيانه. الثاني: أن المقصود بيان تحقق هذا الوصف أعني الخالقية له تعالى في الأزل وإفادة استحقاقه لاسم الخالق أزلا، وهذا التوجيه لا يفيد ذلك بل ينافيه. (ورب إذ لا مربوب) قد علمت معنى ربوبيته ووجه تقدمها على المربوب آنفا. ١ - قوله: " مع المخلوق لا قبله " لما كانت نسبة جميع الأزمنة إليه تعالى على السوية نظير نسبة جميع الأمكنة إليه صدق أن اختصاص المخلوق بزمان خاص ومكان معين لا يوجب اختصاص الخالق أيضا بهما، وقد مثلنا سابقا بما عليه أهل عصرنا من تقدير سير النور زمانا وما يقولون من أن نور بعض الكواكب يصل إلينا بعد مضي سنين، ولعلنا نرى كوكبا في موضع بعينه وصفة بعينها ولا يكون هو كذلك بل كان عند إرسال النور في ذلك الموضع لا عند وصول النور إلى أعيننا بل لعله انعدم وتلاشى ونحن نراه متلألئا في جو السماء فنحن نرى ما مضى وكان في زمان سابق كما نرى ما هو موجود في زماننا في الأمكنة القريبة، والله تعالى محيط بجميع الأمكنة والأزمنة ومسألة ربط الحادث بالقديم من أصعب المسائل كذلك إحاطة الدهر بالزمان. وأما مسألة ربط الحادث بالقديم فالكلام فيها أن واجب الوجود لا يجوز أن يمنع الفيض والجود ولا أن يغير إرادته وحكمه ويهتم يوما بشئ وينصرف عنه ويتوجه إلى شئ آخر إلا إذا كان التغير وعدم الاستعداد من جهة الممكنات فإذا لم يكن لشئ استعداد الوجود أو لا يكون في وجوده مصلحة لم يوجده، وإن كان مستعدا أفاض عليه الوجود كما قال: * (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) *. وبالجملة التغير دائما من جهة الممكنات لا من جهته ونسبته إلى جميع الأزمنة على السوية، والإشكال في تصور عدم تأثير تغير الممكنات في نسبته إلى الله، ولا يتعقل الناس أن الله تعالى يكون مشاهدا مدركا لآدم ونوح في زماننا المتأخر كما كان يراهما وكان قاهرا عليهما عند وجودهما، وأما ما يقال إن الحوادث المتتالية في الزمان مجتمعة في الدهر فنشير إليه إن شاء الله. (ش) (*)