شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٥٥
بقوله: (فليس من أجل أنه علا الأشياء بركوب فوقها وقعود عليها وتسنم لذراها) سنام كل شئ أعلاه، ومنه: تسنمه إذا علاه، وأسنم الدخان إذا ارتفع، والذرى بضم الذال المعجمة وكسرها جمع الذروة كذلك وهي أعلى الشئ وفوقه. (ولكن ذلك) أي كونه ظاهرا أو علوه على الأشياء (لقهره ولغلبته الأشياء وقدرته عليها) فمعنى الظاهر أنه العالي على جميع الأشياء بمعنى أنه قاهر غالب قادر عليها، فلا يعجزه ولا يفوته شئ ولا يغلبه ولا يسبقه أحد (كقول الرجل: ظهرت على أعدائي) أي غلبت عليهم (وأظهرني الله على خصمي) أي غلبني عليه تغليبا (يخبر عن الفلج والغلبة) الفلج بالفتح الظفر، وقد فلج الرجل على خصمه إذا غلب، وأفلجه الله عليه إذا جعله غالبا والاسم الفلج بالضم (فهكذا ظهور الله على الأشياء) فظهوره ليس ظهورا مكانيا حسيا بل هو قهره وغلبته جميع الأشياء واستيلاؤه عليها بالإيجاد والإبقاء والإفناء. (ووجه آخر أنه الظاهر لمن أراده) أي الظاهر لكل من أراده بحججه الباهرة وبراهينه الظاهرة وشواهد أعلامه النيرة الدالة على وجوده وثبوت ربوبيته وصحة وحدانيته إذ لا موجود إلا وهو يشهد بوجوده، ولا مخترع إلا وهو يعرب عن توحيده. (ولا يخفى عليه شئ) هذا وجه آخر غير ظهوره للغير وهو ظهور الغير له بنفس ذاته الحقة التي هي العلم بجميع الأشياء وقد عرفت أنه من توابع الغلبة إذ فيه غلبة على الأشياء بنفوذ علمه فيها وإحاطته بها. (وأنه مدبر لكل ما برأ) على وفق الحكمة والمقتضية للنظام الاكمل، وهذا أيضا وجه آخر لظهوره غير ما ذكر وتابع للغلبة كما أشرنا إليه، وتخصيص المرئي بالذكر باعتبار أنه مناسب لوصفه تعالى بالظهور (فأي ظاهر أظهر وأوضح من الله تعالى) متفرع على الوجوه الأربعة أو تعليل لها (لأنك لا تعدم صنعته حيث ما توجهت) فهو الظاهر وجوده بعجائب تدبيره وغرائب تقديره للمتفكرين والواضح ثبوته وعلمه بإنشاء الأجرام العلوية، وإبداع الأجسام السفلية للناظرين. (وفيك من آثاره ما يغنيك)، لأن ما في الإنسان من ظرائف الصنع ولطائف التدبير يغنيه في معرفة صانعه عن سائر المبدعات العجيبة والمخترعات الغريبة. (والظاهر منا البارز بنفسه) للناظرين وإنما قال بنفسه لأنه تعالى أيضا بارز لكن بروزه بحججه وآثاره (والمعلوم بحده) للحادين يعني المعلوم بشرح حقيقة ذاته وصفاته وبما له من أطرافه ونهاياته، والظاهر منا أيضا العالي على الشئ بالركوب عليه، ولم يذكره إما للاقتصار مع الإيماء إليه في صدر الكلام أو لأن البارز بنفسه يصدق عليه أيضا (فقد جمعنا الاسم ولم يجمعنا المعنى) للتغاير