شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٤١
في مرتبة ذواتهم لكون علومهم زائدة عليها جاهلون متعلمون من الفياض على الإطلاق، وبالجملة كل عالم سواه متعلم (والله لم يجهل ولم يتعلم) من الغير، لأن علمه تعالى بالأشياء على التفصيل إنما هو لذاته المقدسة عن شوائب النقص والافتقار فهو العالم المطلق الذي لا يحتاج في علمه إلى غيره بوجه من الوجوه (أحاط بالأشياء) كما هي من حقائقها ولوازمها وعوارضها وخواصها وآثارها وأقدارها وجوانبها وأقطارها وغاياتها (علما قبل كونها) أي قبل وجودها من كتم العدم (فلم يزدد بكونها علما)، لأن ذاته بذاته مناط لظهور الأشياء وانكشافها عند ذاته وعلم أزلي بجميعها من كل وجه فلا يتصور في علمه الزيادة والنقصان. (علمه بها قبل أن يكونها كعلمه) بها (بعد تكوينها) ليس المقصود ما يستفاد من ظاهر التشبيه وهو تحقق المغايرة بين العلمين من وجه، وتحقق المشاركة من وجه آخر، بل المقصود أن علمه بالأشياء في الصورتين واحد لا تفاوت فيه بوجه ما، وهذا تأكيد للسابق وتقرير لمضمونه. (لم يكونها لتشديد سلطان) لأنه إنما يحتاج إلى الناصر والمعين ذو النقصان العاجز عن التصرف في ملكه وإجراء حكمه عليه، ولما كان - تعالى شأنه - هو الغني المطلق عن كل شئ وكان كل ما عداه مقهورا تحت قدرته القاهرة بالإيجاد والإبقاء والإفناء لم يحتج في سلطانه إلى أحد من خلقه. (ولا خوف من زوال ولا نقصان)، لأن ذلك الخوف من توابع الانفعالات ولواحق الممكنات القابلة في حد الذات للزوال والنقصان، ولما ثبت تنزهه تعالى عن ذلك لم يتصور أن يكون الغرض من إيجاده رفع ذلك الخوف عن نفسه (ولا استعانة على ضد مناو) أي معاد، من " ناوأه " مهموز اللام: إذا عاداه، قال الجوهري: ناوأت الرجل مناوءة ونواء عاديته يقال: إذا ناوأت الرجال فاصبر. وربما لهم يهمز وأصله الهمز. وفي بعض النسخ على ضد مثاور بالثاء المثلثة بعد الميم والراء المهملة بعد الواو أي مواثب من ثار به الناس إذا وثبوا عليه (ولا ند مكاثر) أي متعرض للغلبة عليه، يقال: كاثرناهم فكثرناهم أي غلبناهم بالكثرة، والضد والند في اللغة بمعنى المثل والنظير، ولا يبعد أن يراد هنا بالأول أعم من المساوي والأدون بقرينة ذكر المعادة معه إذ المعاداة قد تكون من الأدون وبالثاني أعم من المساوي والأعلى بقرينة ذكر الغلبة معه إذ الغلبة تكون من الأعلى غالبا (ولا شريك مكابر) يطلب الكبر والعظمة عليه وكل ذلك لانتفاء مبدأ الاستعانة وهو العجز فيه، لأن العجز من تناهي القوة والقدرة وقدس الحق منزه عنه أيضا لا ضد ولا ند ولا شريك له حتى يحتاج في دفعهم إلى الاستعانة بغيره من مخلوقاته، وفيه تنزيه له تعالى عن صفات المخلوقين وخواص المحدثين. ولما نفى أن يكون الغرض من الإيجاد ما ذكر، أشار إلى ما هو الغرض منه بقوله: (لكن خلايق مربوبون وعباد داخرون) الدخور: الصغار والذل، يعني: لكنهم خلايق مربوبون لهم رب قاهر وعباد