شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٤٨
والعائد إليها اسم الإشارة، والضمير المنصوب في قوله " لم يحضره " راجع إليه سبحانه و " يغيبه " على صيغة المضارع بالغين المعجمة والباء الموحدة بعد الياء المثناة من تحت من الغيبة، والأصل يغيب عنه بالحذف والإيصال، وهو عطف على قوله " لم يحضره " وفي بعض النسخ " تغيب " على صيغة الماضي من باب التفعل، والأصل فيه تغيب عنه. وفي كتاب العيون " ويعنه " على صيغة المضارع المجزوم من الإعانة لكنونه معطوفا على مدخول " لم " (كما أنا لو رأينا علماء الخلق إنما سموا بالعلم). في كتاب العيون أيضا " بالعلم " خلافا لما تقدم (لعلم حادث) قائم بذواتهم بعدما لم يكن (إذ كانوا فيه جهلة) بفتح الجيم والهاء جمع جاهل. وفي كتاب العيون " قبله " بدل " فيه " وكون علماء الخلق جاهلين أمر ظاهر فإن أكثرهم كانوا خالين عن العلم في بدء الفطرة ثم حصل لهم العلوم بالتجربة والممارسة، وبعضهم وإن لم يكن خاليا عنها كالنفوس الهيولانية العالية والعقول المجردة النورانية لكن في مرتبة ذاته الممكنة العارية عن حلية العلوم كان جاهلا، وإنما اتصف بالعلم بعد ملاحظة الذات وتكميلها فهو في مرتبة الذات كان جاهلا بخلاف الحق جل شأنه فإن علمه في مرتبة ذاته العالمة بكل شئ من كل جهة بالفعل لأنه عينها (وربما فارقهم العلم بالأشياء) لعروض النسيان والغفلة (فعادوا إلى الجهل) كما كانوا فيه أولا (وإنما سمي الله عالما لأنه لا يجهل شيئا) (١) لإنه بذاته الحقة القديمة عالم بجميع الأمور مستقبلها وماضيها كليها وجزئيها بحيث لا يتفكر ولا يتروى، ولا يزيد علمه ولا ينقص، ولا يتغير ولا يتبدل، ولا يجهل ولا ينسى، وبالجملة علمه هو الذات القدوسية الحقة وعلم غيره صفة فاقرة قائمة بذات فاقرة (فقد جمع الخالق والمخلوق اسم العالم واختلف المعنى على ما رأيت) فإطلاق العالم على الخالق والمخلوق كإطلاق العين على الباصرة والذهب فالاشتراك بينهما إنما هو في الاسم دون المعنى ١ - قوله: " لأنه لا يجهل شيئا " وحاصل الفرق بين علمه تعالى وعلم غيره أنه عالم بذاته وساير الموجودات ان علموا شيئا بغيره، ولا يخفى أن كل ما بالعرض يجب أن ينتهى إلى ما بالذات، فإذا نظرنا إلى أفراد الإنسان وهم أعلم موجود في العالم الجسماني رأينا علمهم عرضيا حاصلا من غيرهم ولم نر قط إنسانا عالما بالذات، لأن الذاتي لا يختلف ولا يتخلف، ولو كان علمهم ذاتيا لهم كان جميع أفراد الإنسان متساوين في العلم ولم يتخلف عنهم العلم أصلا بأن يكون أحدهم في زمان جاهلا ثم يصير عالما ثم يعود جاهلا فظهر أن علمهم عرضي حاصل لهم لا من ذاتهم فلا بد أن يلتزم إما بأن في الوجود موجودا عالما ذاته بكل شئ وهو الله تعالى، أو بأن ما بالعرض لا يجب أن ينتهي إلى ما بالذات، وهو محال. وبعبارة أخرى: إنا نعلم بالبديهة أن العلم ليس من صفات الجسم من حيث هو جسم وأن الانتقاش بصورة شئ ليس علما بذلك الشئ وأن الجدار لا يدرك النقوش التي عليه والآلة الفوتوغرافية لا ترى التصوير فيها، فالبصر الذي يدرك ويرى الأشياء ليس إدراكها بجسميته بل بإشراق قوة عليه من عالم آخر وراء عالم الأجسام، والعلم الذاتي الذي لا يطرء عليه الجهل أبدا إنما هو ذلك العالم الغير الجسماني فما دام إشراق تلك القوة كان علم وإدراك بحسب استعداد المحل، وإذا انقطع الإشراق انقطع العلم. (ش) (*)