شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٩٨
صاحب الملل والنحل. (الذي لم يلد فيكون في العز مشاركا) يمكن إرجاعه إلى قياس استثنائي تقريره: لو كان له ولد كان في العز والجلال مشاركا معه، والتالي باطل إذ لا عزيز على الإطلاق سواه، فالمقدم مثله، بيان الملازمة أن ولد العزيز عزيز مثله وقد سلك (عليه السلام) في ذلك سبيل المعتاد الظاهر في بادي الرأي والاستقراء وهو أن كل ولد يلحق بأبيه في العز والذل وإن لم يجب ذلك في العقل والاستقراء مما يستعمل في الخطابة ويحتج به فيها إذ غايته الإقناع (ولم يولد فيكون موروثا هالكا) أي لو كان مولودا لكان موروثا هالكا يرثه من خلفه، وهو تنزيه له عن صفات البشر إذ العادة أن كل مولود من الإنسان يهلك فيرثه من خلفه والبرهان على استحالة كونه والدا ومولودا أن ذلك من لواحق الشهوة الحيوانية وتوابع القوة الجسمانية، وقدسه تعالى منزه عنها. (ولم تقع عليه الأوهام فتقدره شبحا ماثلا) الماثل القائم والماثل أيضا المشابه يعني لم تدركه الأوهام فإنها إن أدركته قدرته شخصا منتصبا قائما وصورة شبيهة بصورة الجسم والجسمانيات، لأن الوهم إنما يدرك الأمور المتعلقة بالمادة وشأنه فيما يدركه أن يستعمل المتخيلة في تقديره بمقدار معين ووضح معين ويحكم بأن ذلك مبلغه ونهايته فلو أدركته الأوهام لقدرته شخصا معينا قايما على مقدار معين وصورته بصورة معينة في محل معين، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. (ولم تدركه الأبصار فيكون بعد انتقالها حايلا) حال الشئ يحول إذا انقلب حاله وكل متغير = الأمور المترتبة في الزمان مجتمعة في الدهر وربما يمثل ذلك بخيط ملون بألوان مختلفة تمشي عليه نملة ترى كل لون إذا حاذاها، وأما الإنسان فيرى جميع الألوان دفعة واحدة، ولما كان واجب الوجود علة العلل ووجود كل موجود إنما هو بإضافته الإشراقية والرابطة التي بينه تعالى وبين المعلول أقوى وأشد من كل رابطة، وقلنا إن رابطة النور تقتضي رؤية الإنسان شيئا مضى وتموجات الهواء تقتضي سماعنا لأصوات مضت، فلم يستبعد أن يرى الله ويسمع ويحيط بقدرته على جميع ما مضى وما سيأتي دفعة واحدة وليس معنى اجتماع المترتبات في الدهر نفى الزمان عنها ولا عدم الترتب بينها ومعيتها في الزمان بل معيتها واجتماعها في علم الباري وحضورها عنده دفعة واحدة وقدرته عليها جميعا. (ش) ٣ - قوله: " وهذا المذهب مأخوذ " أصحاب الكمون والبروز طائفة من قدماء فلاسفة اليونان أورد الشيخ في الشفا مذهبهم وزيفه في الفصل الرابع من الفن الثالث من الطبيعيات وحاصل مذهبهم أن ما نرى من استحالة العناصر بعضها إلى بعض كالهواء يتبدل نارا مثلا ليس استحالة بالحقيقة إذ لا يجوز تغير ماهية شئ إلى غيرها فلا يصير شئ شيئا أصلا فما خلق في أول وجوده مثلا حديدا أو نحاسا أو كبريتا أو غيرها فهو يبقى على ما هيته وصورته النوعية أزلا وأبدا إلا أن في كل منها سائر الأشياء كامنة فالنار كامنة في الهواء ومخلوقة فيه غير ظاهرة وإنما يظهر بالاشتعال، وشاركهم أهل عصرنا في قولهم بعدم استحالة العناصر ولكن يخالفونهم في أن المواليد بالتراكيب والأمزجة لا بالبروز فكل حادث عندهم بتركيب ومزاج أو بتحليل ولا يستحيل شئ آخر إلا بزيادة عنصر فيه أو نقص، ولا حاجة فعلا إلى نقل مذهبهم ولا فائدة فيه. (ش) (*)