شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٧٠
والأوهام. وفيه رد لما اخترعته أوهام المبتدعة من قرب بعض الأشياء إليه وبعد بعضها عنه حتى أنه يحتاج إلى النزول تحصيلا للقرب من البعيد، وبهذا التقرير يندفع ما عسى أن يقال من أن قربه إنما هو بحسب علمه الذي لا يعزب عنه شئ، وهو بهذا الاعتبار أقرب من كل قريب، فما الوجه لذكر البعد والحكم بالمساواة بينه وبين القرب (لم يبعد منه قريب ولم يقرب منه بعيد) كما هو شأن الممكن المحتاج إلى المكان فإنه إذا انتقل من مكان إلى آخر يبعد منه ما كان قريبا منه في المكان الأول ويقرب منه ما كان بعيدا (ولم يحتج إلى شئ بل يحتاج إليه) فلم يحتج إلى المكان والنزول وتحصيل القرب من الغير واستعمال الحيلة في إمضاء المراد بل كل شئ يحتاج إليه من جميع الجهات (وهو ذو الطول) أي ذو المن والإعطاء (لا إله إلا هو العزيز الحكيم) ذكر هذه الأوصاف أعني الطول على الإطلاق والوحدة المطلقة والغلبة القاهرة والحكمة البالغة كالتأكيد والتعليل لعدم احتياجه إلى شئ من الأشياء بنحو من الأنحاء، لأن إعطاء وجود جميع الموجودات ولواحقه وتفرده بالإلهية واتصافه بالغلبة على جميع الكائنات وبالحكمة البالغة والعلم بجميع الأشياء يقتضي عدم احتياجه إلى شئ منها بالضرورة. ولا يخفى أن ظاهر هذا الحديث الآتي بعد حديثين يدل على ما روي أن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا كذب وافتراء، ويدل عليه أيضا إنكار الرضا (عليه السلام) على ما روى عنه الصدوق في الفقيه وقد بالغ (عليه السلام) في الإنكار حتى قال: لعن الله المحرفين للكلم عن مواضعه، ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك إنما قال: " إن الله تبارك وتعالى ينزل ملكا إلى السماء الدنيا كل ليلة في الثلث الأخير وليلة الجمعة في أول = خواص التجرد وصفات المجرد ما فهم منه أصحابهم معناه مثل قولهم هذا " ولم يبعد منه قريب ولم يقرب منه بعيد " وغير ذلك مما مضى وما سيأتي. وأما هؤلاء المجسمة لما لم يعقلوا معنى التجرد توهموا أن الله تعالى إن لم يكن على العرش بائنا من خلقه لزم كونه في كل مكان بمعنى الحلول والتحيز، وزعموا أنه عين قول الحلوليين ولزم منه امتزاجه بالقاذورات، ولا يفهمون من التنزيه إلا كونه فوق العرش مبائنا لخلقه ومحيطا لا مخالطا ولا محاطا. قال ابن تيمية فيما نقل القاسمي: إن الذين قالوا إنه في كل مكان هم أهل الحلول وهم يعبدون كل شئ، والذين قالوا: لا هو داخل العالم ولا خارج ولا مباين ولا حال فيه ولا فوق العالم ولا فيه ولا ينزل منه شئ ولا يصعد إليه شئ ولا يتقرب إليه بشئ ولا يدنو إليه شئ ولا يتجلى لشئ ولا يراه أحد ونحو ذلك فهم أهل نفي وجحود لا يعبدون شيئا، وهذا صريح في أنه لا يعترف بوجود شئ غير جسماني وأن ما ليس داخلا في العالم وإلا خارجا إلى آخره فهو ليس بموجود والقائل به منكر لوجود الحق، وفهم من الكلام الثاني معنى مناقضا للأول، لأن كونه في كل مكان يناقض عدم كونه في مكان أصلا لم يفهم أن جميع ذلك تعبير عن التجرد. (ش) (*)