شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٥٢
آلات وأسباب معتبرة في تحققها، وفي الواجب يعتبرها العقول على الوجه الأكمل لذاته المقدسة بذاته من غير اعتبار صفة زائدة قديمة أو حادثة تحل فيه لتعاليه عن التحديد والتوصيف فلا اشتراك فيها أيضا إلا بحسب الاسم (فقد جمعنا الاسم ولم نجمع المعنى) إن كان " جمعنا " بسكون العين كان " لم نجمع " بالنون وإن كان بفتحها كان لم يجمع بالياء المثناة من تحت، والتقدير: لم يجمعنا المعنى، والأخير وإن كان خلاف الظاهر لاحتياجه إلى الحذف ومخالفته لظاهر ما سبق لكن يؤيده ما نقله الصدوق في كتابي العيون والتوحد بقوله: " ولم يجمعنا المعنى ". (وأما اللطيف فليس على قلة) في الحجم (وقضف) في الجسم. والقضف - محركة كعنب - الدقيق والنحيف، وقد قضف بالضم قضافة فهو قضيف أي نحيف (وصغر) في المقدار، لأن كل ذلك من صفات الجسم والجسمانيات وقدس الحق منزه عنها (ولكن ذلك على النفاذ في الأشياء) (١) أي ولكن الله لطيف على معنى نفاذ علمه وقدرته وحكمه في الأشياء الصغار والكبار، ألا ترى كيف نفذت في الذرة والبعوضة وما هو أصغر منهما وفي غيرهما من الحيوانات والنباتات والجمادات والمعادن والأرضين والسموات وما فيهن وما بينهن مما يعجز عن إدراك قليل منها ومن منافعها وخواصها وآثارها أولو الالباب (والامتناع من أن يدرك) أي امتناعه من أن يدرك ذاته وصفاته من جهة العقل والحواس بحد ونهاية ورسم يحيط بها، وبالجملة لطفه عبارة عن نفوذ علمه وقدرته في الغير، وعدم نفوذ علم الغير وقدرته فيه، ثم أشار إلى أن إطلاق اللطيف على النفاذ غير بعيد لأنه مستعمل في محاورات الناس أيضا بقوله (كقولك للرجل) أي: لإعلامه وإخباره (لطف عني هذا الأمر) يعني لم ينفذ فيه فهمي ولم يبلغ إليه عقلي (ولطف فلان في مذهبه وقوله) إذا دق طريقهما وخفي مأخذهما ولم ينفذ فيهما العقل (يخبرك) في محل النصب على أنه حال عن مقول القول، أو في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هذا القول يخبرك (أنه غمض فيه العقل وفات الطلب) غمض بفتح الميم أو ضمها غار، ١ - قوله: " على النفاذ في الأشياء " كان معناه ما تكرر في كلام أمير المؤمنيين (عليه السلام): " داخل في كل شئ لا كدخول شئ في شئ " وكما في قوله تعالى: * (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) * وقد عبر عنه الشارح بقوله على معنى نفاذ علمه وقدرته وحكمته، وبالجملة هو الوجود الأصل القائم بنفسه المستغني عن كل شئ وغيره وجود ربطي تعلقي غير مستقل لا ينظر إليه بذاته ولا يتحقق له حقيقة، إن قطع النظر عن علته فهو مع كل شئ، والخاصة الظاهرة للموجودات اللطيفة اثنتان، الأولى: النفاذ، والثانية: عدم كونه مدركا بالحواس، فإن اللطيف البالغ في اللطافة لا يحس ببصر ولا يدرك بلمس، وهاتان الخاصتان ثابتتان للبارى تعالى من غير أن يثبت له المقدار وساير لوازم الجسمية، وبهذا يعلم أن اللطيف قد يستعار في اصطلاح الشرع للموجود المجرد، وببالي أن صدر المتألهين - قدس سره - ذكر في شرح قوله تعالى: * (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) * أن الله تعالى مجرد، ومقتضى التجرد العلم، ففهم من اللطف التجرد، وهذا الحديث يؤيده. (ش) (*)