شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٤٩
(وسمي ربنا سميعا لا بخرت فيه يسمع به الصوت ولا يبصر به) بل يسمع بما يبصر ويبصر بما يسمع وهو نفس ذاته المقدسة والخرت بفتح الخاء المعجمة وضمها وسكون الراء المهملة قبل التاء المثناة من فوق الثقب في الأذن وغيرها، وفي كتاب العيون " لا بجزء فيه " (كما أن خرتنا) في كتاب العيون: " كما أن جزءنا " (الذي به نسمع) الأصوات الداخلية فيه الواصلة إلى القوة المنبثة على العصب المفروش تحته، وهذا العصب محل لهذه القوة المدركة للصوت، والخرت طريق لوصول الصوت إليها (لا نقوى به على البصر) أي على إدراك المبصرات، لأن له خرتا آخر يختص به. ولما أشار إلى أن سمعه للأصوات ليس بشق الأذن وخرته كما في الإنسان لتنزهه عن الجسمية وآلاتها أشار إلى ما هو المقصود منه بقوله (ولكنه أخبر) أي ولكن السميع أخبر، أو ولكن الله تعالى أخبر بإطلاق السميع عليه (أنه لا يخفى عليه شئ من الأصوات) حتى صوت الذرة في الفلاة وحسيس النملة على الصفاة (ليس على حد ما سمينا نحن) " سمينا " على صيغة المجهول و " نحن " تأكيد للضمير المرفوع المتصل يعني ليس تسميته تعلى بالسميع على حد تسميتنا به وعلى معناه (فقد جمعنا الاسم بالسميع) أي التسمية به. و " جمعنا " إما بسكون العين على صيغة المتكلم مع الغير أو بفتحها على صيغة الغائب المذكر، والاسم على الأول منصوب على المفعولية وعلى الثاني مرفوع على الفاعلية (واختلف المعنى)، لأن السمع في الواجب هو العلم بالمسموعات بنفس الذات (١) لا ١ - قوله: " هو العلم بالمسموعات بنفس الذات " قد يختلج في أذهان قوم أن السمع والبصر يختصان بأصحاب الآلات والجوارح وليس لواجب الوجود والعقول القادسة هذان الإدراكان البتة فيلزم كون الأجسام الحية بالعرض أكمل في الإدراك ممن هو أصل معنى الحياة والإدراك، ومن حياة غيره مأخوذة منه. وهذا مما لا يلتزم به ذو مسكة بل الحق أن كل من تعرض لهذه المسألة معترف بكمال العلة البتة وإنما يحذف الآلة فقط ولا ضير فيه، وأعلم أن أصل الإدراك لغير الجسم كما قلنا، إذ ليس من شأن الأجسام أن تدرك ما ينتقش فيها. فإن قيل: كيف وقد أثبت الحكماء جسمانية القوى الحاسة بل لا يشك فيه العوام أيضا فإن الحواس الظاهرة الخمس جسمانية بالبديهة وتعدم بفساد مزاج أعضائها وأيضا يعرض النوم على أعصاب الحس فيسلب قوة الإدراك الحسي ويعرض الإغماء على الدماغ فيسلب الادراكات الباطنة أيضا خصوصا الإغماء بأدوية الجراحين مثل كلرفورم تغلب على الدماغ فلا يدرك الإنسان شيئا حتى أنه يغفل عن نفسه ولا يرى رؤيا ولا حلما كما في النوم فإن النائم يملك المتخيلة والحس المشترك والواهمة وإن فقد الاختيار، ويمكن لليقظان أن ينصرف من التخيل في شئ إلى التخيل في آخر باختياره ولكن النائم يتخيل فيها قهرا بغير اختيار، والمغمي عليه لا يملك المتخيلة ولا الحس المشترك، نعم إن القوة الحافظة لا تعدم بعروض النوم والإغماء ولذلك إذا استيقظ الإنسان أو أفاق من غشيته وجد نفسه مع جميع مدركاته السابقة ولو كانت الحافظة معدومة استحال عودها وعود مدركاتها إذ لم تكن إلا في الحافظة وقد ينسى النائم بعض الأمور مع ذكره بعضها مثلا يرى أباه وأمه الميتين في المنام ويعرفهما لبقاء الحفظ في الجملة وقد ينسى أنهما ماتا وقد لا ينسى، وهذا لا يدل على فناء الحافظة بل = (*)