شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٤٢
القبل على الإطلاق وهو المسمى بالله وكان الأول بحسب هذا الفرض (أولى بأن يكون خالقا للأول) الذي هو الخالق لجميع ما سواه وهذا خلاف المتقرر الثابت من وجهين: الأول أن لا يكون المبدء للجميع مبدأ للجميع، والثاني أن يكون القديم الواجب حادثا ممكنا لأن كونه بعد أن لم يكن وصف له بالحدوث اللازم للإمكان. (ثم وصف نفسه تبارك وتعالى بأسماء) أي سمى نفسه بها أو عرف نفسه، وإنما قال بأسماء ولم يقل بمعانيها للدلالة على أنه ليس له صفة زائدة (دعا الخلق) بالنصب على أنه مفعول له مثل " حذر الموت " يعني وصف نفسه بالأسماء لأجل دعائهم إياه بتلك الأسماء (إذ خلقهم وتعبدهم) يعني طلب منهم العبادة والتذلل وغاية الخضوع، وأراد أن يكونوا عبيدا له (وابتلاهم) بالخير والشر واختبرهم بالمصائب والنوائب وألجأهم (إلى أن يدعوه بها) أي بتلك الأسماء التي وصف بها نفسه (فسمى نفسه) الفاء لتفسير الوصف المذكور لا للتفريع (سميعا بصيرا قادرا قائما ناطقا ظاهرا باطنا = وغيره. وقوله " لم يزل معه فكيف يكون خالقا " يدل على كون صرف معيته علة لعدم مخلوقيته من غير تأثير للاختيار وقد ذكرنا سابقا أن الفاعل المختار لا يستحيل عقلا أن يريد صدور الفعل عنه دائما وأن يكون له في كل زمان مخلوق ولا يتصور مانع عن تجويز ذلك إلا أن يبين استحالة معلول مستمر باستمرار العلة ولم يبين، وإذا تعقل إمكان عدم الفصل الزمانى بين المعلول والعلة كحركة اليد وحركة المفتاح، فإنه مع سابقية حركة اليد لا فصل بينهما زمانا، فمع إمكانه لا مانع من إرادة الفاعل المختار هذا الأمر الممكن، فالحق أن غرض الإمام (عليه السلام) إثبات مخلوقية كل شئ له تعالى وأنه ليس في دار الوجود شئ إلا وهو محتاج إليه ومتأخر عنه في الوجود سواء كان نظير تأخر حركة المفتاح عن حركة اليد أو تأخر خلق السموات والأرض عن وجود الله تعالى أو تأخر خلق الإنسان عن خلق السموات والأرض. (ش) ٣ - قوله: " خلافا للمبتدعة " البديع: الشئ الذي لم يعهد نظيره قبله، والمبتدعة كل طائفة تخترع في الدين أمورا غير معهودة فيه وإنما يتصور وجودهم بعد الإسلام لا قبله. ومراد الشارح هنا فرقة من أتباع المشائين مزجوا اصطلاحات الشرع باصطلاحات الفلسفة، وقلنا إن الخلط مزلة لا في خصوص اصطلاحات الفلسفة بل اصطلاح كل فن، كما أن بعض الناس أفتى بوجوب غسل الجمعة، إذ ورد في الحديث " أن غسل الجمعة واجب " ولم يعلم أن اصطلاح الأئمة في الوجوب غيره في اصطلاح أهل الأصول، وهكذا بعض أتباع المشائين لما رأوا قول أرسطو أن الإنسان كان مخلوقا لا أول لوجوده تأولوا قصة آدم وحواء وكذلك تأولوا خلق السموات والأرض من الدخان أو من الماء وأمثال ذلك، وكان قول أرسطو هنا فرضا يستحسنونه لا أمرا برهانيا يتمسكون به وهكذا كانت الفلاسفة قديما وجديدا حتى في أيامنا هذه، فربما يستخرجون حقيقة برهانية لا يشك فيها ويستدلون عليها بأدلة موجبة للعلم مثل أن الأرض كرة وأن الخسوف لحيلولة وتارة يبدعون رأيا وفرضا استحسانا من غير دليل علمي على إيجابه مثل قولهم بأن الأرض كانت قطعة انفصلت من الشمس وأن الإنسان حصل بالنشوء من قرد أو غيره، وكما لا يجوز خلط اصطلاح الشرع باصطلاحات الفنون كذلك لا يجوز خلط البرهانيات بالاستحسانات وإنما يجوز تأويل الظواهر إذا ثبت خلافه بالبرهان اليقيني لا إذا خالف الاستحسانات. (ش) (*)