شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٤٣
لكل واحد من التقديم والتأخير والإثبات مصلحة تقتضيه وهذا هو المراد بالبداء هنا. توضيح ذلك أن الله سبحانه عالم في الإزل بالأشياء ومنافعها ومصالحها فإذا كان لشئ مصلحة في وقت من وجه وفي وقت من وجه آخر إن شاء قدمه وإن شاء أخره (١) وكذا إذا كان لشئ مصلحة في وقت دون وقت آخر بينه في ذلك الوقت بإرادته وعلمه في الأزل بإثباته في ذلك الوقت وتقديمه وتأخيره على حسب الاختيار، والإرادة الحادثة لا ينافي الاختيار والقدرة بل يؤكدهما ولا يوجب تغيير علمه أصلا وإنما يوجب تغييره لو علم أنه يؤخره ولا يثبته مثلا فقدمه وأثبته. لا يقال: لو كان البداء عبارة عن الإيجاد بالاختيار والإرادة كان في القسم الأول أيضا بداء لضرورة أن ما وقع فيه التعليم أيضا يوجده بالاختيار والإرادة. لأنا نقول: المعتبر في البداء أن يوجده بالاختيار والإرادة الحادثة عند وقت الإيجاد (٢) وإن لا يكون للخلق علم بصدوره عنه قبل صدوره عنه كما أشار إليه سابقا ولا يتحقق شئ من ذينك الأمرين في القسم الأول أما الثاني فظاهر وأما الأول فلإرادة الإيجاد في الأزل أو عند التعليم، والله أعلم. هذا، وقال الفاضل الاسترآبادي في حل هذا الكلام وعلم عنده مخزون أي مقدر في اللوح المحفوظ أولا على وجه ثم يغير ذلك إلى وجه آخر لمصلحة حادثة وهذا هو البداء في حقه تعالى. وقال الفاضل الشوشتري في حله: ولعله إنما يستقيم البداء فيه ويرتفع العبث ولا يتطرق شبهة التغير ١ - قوله: " ان شاء قدمه وان شاء أخره " لكن علمه من الأزل تعلق بأحدهما المعين من غير ترديد بحيث لا يتصور فيه تغيير أصلا، وحاصل تفسير الشارح أن هذا الكلام دفع لوهم من يزعم أنه تعالى فاعل موجب ويقول إنه تعالى يفعل ما يشاء، مثلا يخلق زيدا في زمان مقدم وعمرا في زمان مؤخر كما يصنع شيئا صغيرا وشيئا كبيرا وشيئا في هذا المكان وشيئا في ذلك المكان على حسب ما يراه من المصالح، وهذا تأويل للبداء على الوجه الأول الذي ذكره سابقا. (ش) ٢ - قوله: " عند وقت الإيجاد " الإرادة من الله تعالى ان كان علمه بالمصلحة فهو قديم وإن كان نفس فعله فلا يتصور كون الإرادة في بعض الأمور سابقة على الفعل وفي بعضها حاصلة عنده والحق أنه تعالى كان عالما من الأزل بما يفعل في كل زمان وتعلق مشيئته به ولا تغير في مشيئته ولا يؤخر ما أراد تقديمه من الأزل ولا يقدم ما أراد تأخره من الأزل، ولا يخفى أن كلام الشارح في معنى إنكار البداء وتأويله بشئ لا يستلزم منه المحال وحدوث المصلحة في زمان الإيجاد لا ينافي كون علمه تعالى بالمصلحة قديما، وأما على تأويل صدر المتألهين أن التقديم والتأخير ليس فيما تعلق علم الله تعالى والعقول القادسة به بل في علم النفوس الغير العالمة بتفاصيل ما سيأتي من الأزل فيحكمون بشئ على ظاهر الأمر والعادة، وربما يتفق شئ يخرج عن مجرى العادة ولا يعلم به تلك النفوس وينسب التغير الحاصل في علم تلك النفوس إلى الله تعالى، ويسمى بالبداء كما ينسب حزن الاولياء إلى الله تعالى في قوله * (فلما آسفونا انتقمنا) * على ما مر، فيستقيم الكلام من غير حاجة إلى تكلف والتزام محال ولا خروج عن ظاهر الحديث، وسيجئ بيانه إن شاء الله تعالى. وأما كلام الفاضلين الاسترآبادي والتستري فغير ظاهر لنا ولم نعرف مقصودهما. (ش) (*)