شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٤٢
ذلك النبي: يا رب إنك لتعلم أني لم أكذب قط فأوحى الله تعالى إنما أنت عبد مأمور وأبلغه ذلك والله لا يسأل عما يفعل " قلت: المراد بالتعليم التعليم المقرون بما يفيد القطع بوقوع متعلقه فإنه لابد من وقوعه لما مر، وأما التعليم المجرد عن ذلك فيجوز أن لا يقع متعلقه لجواز أن يكون وقوع متعلقه مقيدا بشرط في علم الله تعالى كما في حديث وفاة الملك فإنه كان مقيدا في علم الله تعالى بترك الدعاء والتضرع فلما وجدا لم يقع الوفاة لانتفاء الشرط وإخبار النبي ذلك الملك من الله بأنه متوفيه، لم يكن كذبا في نفس الأمر فإن قوله " متوفيه " من كلامه تعالى وهو مقيد في علمه بما ذكر وعدم علم النبي بذلك القيد لا ينافي ذلك الكلام المقيد في نفس الأمر ولا يكون الإخبار به كذبا (١) وإنما يكون كذبا لو لم يؤمر بالإخبار فأخبره. وبمثل هذا التوجيه يندفع أيضا ما يتوجه على ظاهر ما رواه المصنف في باب " أن الصدقة تدفع البلاء " بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " مر يهودي بالنبي (صلى الله عليه وآله) فقال: السام رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليك. فقال أصحابه إنما سلم عليك بالموت فقال: الموت عليك، قال النبي (صلى الله عليه وآله) وكذلك رددت، ثم قال النبي (صلى الله عليه وآله): إن هذا اليهودي يعضه أسود في قفاه فيقتله، قال: فذهب اليهودي فاحتطب حطبا كثيرا فاحتمله ثم لم يلبث أن انصرف، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ضعه فوضع الحطب فإذا أسود في جوف الحطب عاض على عود فقال: يا يهودي أي شئ عملت اليوم ؟ فقال: ما عملت عملا إلا حطبي هذا احتملته فجئت به، وكان معي كعكتان فأكلت واحدة وتصدقت بواحدة على مسكين، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): بها دفع الله عنك وقال: إن الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإنسان " تقرير الدفع أن قوله (صلى الله عليه وآله): إن هذا اليهودي يعضه أسود في قفاه فيقتله من كلامه تعالى أوحاه إليه وأمره بتبليغه لقوله تعالى * (وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى) * وهذا الكلام في علم الله كان مقيدا بالشرط وهو عدم التصدق وهو مع هذا القيد صادق كصدق الشرطية، والمخبر به من الله أيضا صادق لأنه مأمور بتبليغه وعدم وقوع متعلقه لانتفاء الشرط لا ينافي صدقه. نعم فيه دلالة على أن الأنبياء (عليهم السلام) لا يعملون جميع أسرار القدر، ولا يبعد أن يكون الغرض من أمرهم بتبليغ أمثال ذلك (٢) أن يظهر للخلق أن لله تعالى علوما لا يعلمها إلا هو، والله أعلم (وعلم عنده مخزون يقدم منه ما يشاء ويؤخر منه ما يشاء ويثبت ما يشاء) باختياره وإرادته إن كان ١ - قوله: " ولا يكون الإخبار به كذبا " إذا أخبر مقيدا لم يتحقق المحذورات التي ذكرنا من زلة الناس ورفع اعتمادهم بقول الحجج، وإن قيل لم ينقل كون أخبارهم مقيدة، قلنا لعلهم اعتمدوا على قرينة للتقييد أو أخبروا مقيدا ولم ينقل إلينا، مثلا: قال النبي للملك: إني متوفيه إلى وقت كذا إن لم يحدث حدث، أو كان معلوما للملك أن إخباره مقيد بعدم الدعاء. (ش) ٢ - لعله أخبر مقيدا ولم ينقل ولعل كلام الشارح يخالف نفس الحديث الذي هو في شرحه. (ش) (*)