شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٣٤
والمصالح، ومن هذا القبيل إيجاد الحوادث اليومية، ويقرب منه قول ابن الأثير: " في حديث الأقرع والأبرص والأعمى: بدا لله عزوجل أن يبتليهم أي قضى بذلك وهو معنى البداء هاهنا، لأن القضاء سابق والبداء استصواب شئ علم بعد أن لم يعلم وذلك على الله عزوجل محال غير جايز، ولعله أراد بالقضاء: الحكم بالوجود، وأراد بكونه سابقا أن العلم به سابق، كما يرشد إليه ظاهر التعليل المذكور بعده، فلا يرد عليه ما أورده بعض الأصحاب من أن هذا القول ركيك جدا، لأن القضاء السابق متعلق بكل شئ، وليس البداء في كل شئ بل فيما يبدو ثانيا ويتجدد أخيرا. ومنها: ترجيح أحد المتقابلين والحكم بوجوده بعد تعلق الإرادة بهما تعلقا غير حتمي (١) لرجحان مصلحته وشروطه على مصلحة الآخر وشروطه، ومن هذا القبيل إجابة الداعي وتحقيق مطالبه وتطويل العمر بصلة الرحم وإرادة إبقاء قوم بعد إرادة إهلاكهم، وقد قال مولانا أبو الحسن الرضا (عليه السلام) لسليمان المروزي وهو كان منكرا للبداء وطلب منه (عليه السلام) ما يدل عليه من القرآن قوله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) * (فتول عنهم فما أنت بملوم) * ثم بدا لله تعالى فقال * (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) * يريد (عليه السلام) أنه تعالى أراد إهلاكهم (٢) لعلمه بأنهم لا يؤمنون وأراد بقاءهم لعلمه بأنه يخرج من أصلابهم = وبالجملة إذا خلق زيدا وأماته ثم خلق عمرا فهذا بداء أي خلق جديد وإذا شب زيد ثم شاخ فهذا بداء أي أمر جديد حدث، * (كل يوم هو في شأن) *، و * (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) * بمعنى أنه يمحو زيدا من لوح الوجود ويثبت عمرا فإن قيل: ليس هذا معنى البداء المصطلح عند العلماء على ما صرحوا به في تعريف النسخ بل ما ذكره الصدوق من شمول البداء للنسخ أيضا خلاف الاصطلاح قلنا لا ضير فيه، لأن كثيرا من اصطلاحات العلماء لا توافق اصطلاح الأخبار، مثلا: الاجتهاد عند العلماء، معنى صحيح جائز وقد نهى عنه الأخبار، لأن الاجتهاد فيها بمعنى آخر غير اصطلاح العلماء، وكذلك نهى عن التقليد في الدين بمعنى آخر غير التقليد المصطلح، والحبط غير جائز عند الامامية وقد ورد في وقوعه روايات وآيات بمعنى آخر، فلا يبعد أن يكون البداء الوارد في الروايات بمعنى غير ما اصطلح عليه أرباب الأصول. (ش) ١ - قوله: " تعلقا غير حتمي " هذا من طغيان القلم أو سهو وذهول من القائل وليس أحد معصوما عن الخطأ ولا يجوز على الله تعالى إلا الحتم والحكم ولا يقبل قضائه الترديد، وكما أن الندامة عليه تعالى محال كذلك التردد بل كل ما تعلق علمه وإرادته به فهو كما هو من الأزل ولم يحصل القطع بعد الترديد، فإن قيل: فما معنى إجابة الدعاء وتطويل العمر بصلة الرحم وأمثال ذلك ؟ قلنا: الأمر فيه كالأمر في ساير الأسباب، فكما تعلق ارادته تعالى بإرسال السحاب ونزول المطر بسببه كذلك تعلق علمه وارادته بصلة الرحم من فلان وطول عمره بالصلة وأنه لو لم يصل رحمه لم يطل عمره كما أنه لو لم يرسل السحاب لم ينزل المطر، فقصر العمر إنما هو على فرض عدم صلة الرحم وطوله على فرض الصلة، والثاني هو الواقع وتعلق علمه بالثاني، وسيجئ له مزيد توضيح إن شاء الله. (ش) ٢ - قوله: " يريد أنه تعالى أراد أهلاكهم " بل كلام الإمام تعميم معنى البداء حتى يشمل النسخ، فأمر أولا بالإعراض عن الكفار، = (*)