شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٠٣
(الذي نأى من الخلق) أي بعد منهم لعدم مشابهته بهم وعدم إدراكهم له (فلا شئ كمثله) في ذاته وصفاته إذ لا يتصف هو بصفات شئ من الأشياء ولا يتصف شئ من الأشياء بصفاته، لأن عالم الوجوب والغناء مغاير بالكلية لعالم الإمكان والفناء فلا يوجد ما يليق بأحدهما في الآخر (١) (الذي خلق خلقه لعبادته) ليجذبهم بها إلى جناب عزته ولم يخلقهم عبثا كما قال: * (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون) * وقال: * (ما خلقت السموات والأرض وما بينهما لاعبين) *. (وأقدرهم على طاعته بما جعل فيهم) من شرائط التكليف مثل العقل والقدرة وغيرهما فمنهم سماع أجابوه ومنهم صماء خالفوه. (وقطع عذرهم بالحجج) أي بالحجج الباطنة وهي العقول والحجج الظاهرة وهي بعث الأنبياء ونصب الأوصياء وإنزال الكتب تنبيها للغافلين وتذكيرا للجاهلين فقطع عذرهم ودفع حجتهم لئلا يقولوا يوم القيامة لولا أرسلت إلينا رسولا يهدينا إلى معرفتك ويرشدنا إلى طاعتك (فعن بينة هلك من هلك وبمنه نجا من نجا) يعني من هلك بالكفر والضلال بعد بعث الأنبياء وإنزال الكتب وإرشاد الطريق وإكمال العقل فعن وضوح بينة هلك، ومن نجا عن العقوبة والنكال بالايمان والكمال فبمنه وإفضاله نجا (ولله الفضل مبدئا ومعيدا) أي ولله الفضل والجود والزيادة في الإحسان في حال إبداء الخلق وإيجادهم في الدنيا وفي حال إعادتهم وإرجاعهم بعد الفناء أما فضله في الإيجاد فظاهر لأنه ١ - قوله: " فلا يوجد ما يليق بأحدهما في الآخر " فإن قيل يوجد في عالم الإمكان العلم والحياة والقدرة ويتصف بها واجب الوجود أيضا بل ربما يقال كل ما هنا يجب أن يكون جلوة لما هناك وموجد الشئ ليس فاقدا له، قلنا: المقصود أن ما في الإمكان مشوب بالنقص ومختلط بالعدم والواجب تعالى يجب أن يكون مبرأ من كل نقص، ولا يوجد شئ بنقصه في الواجب وعلم الممكن ممزوج بالجهل وحادث بعد العدم وقابل للزيادة والنقصان وكذلك حياته وقدرته، وقد سبق ما يناسب ذلك في شرح قوله (عليه السلام): " بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له "، لأن المشعر يحكي عن النقص لدلالته والانفعال عن المحسوس ولا يقال بتعليمه العلماء عرف أن لا علم له، لأن العلم لا يدل على النقص من انفعال وجسمية وغير ذلك، مثلا إذا تأملت في خلق العين وقوة الباصرة عرفت أن خالق هذا العضو يعلم أن في العالم نورا ولونا وشيئا يحمل النور واللون وأن النور يدخل الجسم الشفاف كالزجاج فيعلم أن في العالم جسما شفافا وكدرا ويجب أن يختار للتأثر من النور في الباصرة جسما شفافا كالجليدية والقرنية ويعلم أن غذاء هذا الجسم الشفاف يجب أن يكون لطيفا وهكذا. وعلمه بجميع هذه الأمور إنما يكون قبل خلقه العين حتى يخلق العين على وفق ما علم وجوب كونها عليه ثم إن الخالق لو كان له عين بالصفات اللازمة للرؤية فإن كانت هذه العين نفس ذات الواجب لم يكن جارحة ومشعرا بل كان ذات الواجب عالما بالمبصرات وإن كانت غير ذات الواجب كانت مخلوقة له وكان الواجب خلقها ليستعين بها على رؤية الأشياء تعالى الله عنه وقد كان يعلم قبل الخلق أن في العالم نورا ولونا ولكل منهما خواص وأن هناك جسما كدرا وشفافا وبالجملة يعلم كل شئ قبل أن يخلق لنفسه عينا فلا يحتاج إلى عين، وبتشعيره المشاعر عرف أنه قبل تشعيره يعلم كل شئ يحتاج عرفإنه إلى مشعر، وهذا نظير أن صانع المنظار يجب أن يكون قبل صنعته عارفا برؤية ومرئي من غير احتياج إلى المنظار. (ش) (*)