شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٠٠
(وظهر في العقول بما يرى في خلقه من علامات التدبير) إذ بآيات قدرته وتدبيره وعلامات صنعته وتقديره تجلت ذاته في عقول العارفين (١) وظهرت صفاته في صدور العالمين، وقد حث ١ - قوله: " تجلت ذاته في عقول العارفين " أكثر العلوم الحاصلة للانسان مبدؤها الانتقال الدفعي من ملاحظة مقدمات حصلت بغير اختيار ويسميها المنطقيون الحدس وهو يفيد اليقين وليس مرادفا للظن والتخمين كما في اصطلاح الناس، ومثاله المعروف نور القمر مستفاد من الشمس، إذ رأوا ارتباطا دائما بين اختلاف تشكيلات القمر ووضعه من الشمس قالوا: إن نوره منها وأمثلة ذلك في الهيئة وساير العلوم كثيرة وربما يسمى أصحاب هذا الحدس القوى أهل زماننا عبقريا وفي الفارسية الدارجة نابغة، وظاهر أن معرفة الناس بالله المدبر الحكيم لم يكن خارجا من القاعدة الكلية في استنباط سائر أسرار الكون، ففي زمان قديم لا نعلم تأريخه تنبه رجل عبقري، لأن الأرض كرة ولا نعلم اسم ذلك الرجل وبيئته ولا زمانه كذلك تنبه من طريق العقل رجل لا نعلم اسمه وساير مشخصاته أن مبدأ هذا العالم فاعل حكيم عالم فعل ما فعل لغاية. أما من جهة تعليم الأنبياء والإلهام فأول من علم التوحيد آدم أبو البشر وليس هو مراد أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا الموضع بل مراده الظهور في العقول من ملاحظة علامات التدبير وطريق تنبه العقل ما ذكره (عليه السلام) فإن الإنسان لما نظر في الآفاق وفي نفسه خصوصا بعد معرفة شئ من التشريح والطب تنبه، لأن صانعه ليس موجودا غير شاعر كما يتنبه من صنايع يد الإنسان وإتقان فعله مهارة صانعه، وما يقال من أن أول من عرف الله تعالى بالعقل هو سقراط الحكيم أو انكساغوراس أو غيره فانما عنى في اليونانيين وفلاسفتهم، وما في توحيد المفضل عن الصادق (عليه السلام) أن أرسطوطاليس هو الذي بين خطأ من تقدمه من نفي فمراده (عليه السلام) أن هذا الحكيم أول من بينه ببيان علمي استدلالي ظهر الحق بقوله ونسخ قول الطبيعيين نسخا بينا أوجب إعراض العقلاء عنهم، وأما أصل تنبه الإنسان لوجود الحق تعالى كان سابقا في الأمم البتة وإن لم بيينوه كما بين أرسطوطاليس. وأما جماعة من العوام وحمقاء الإفرنج وأصحاب الحرف والصناعات منهم فقد توهموا أن الإنسان إنما ينسب الأمور إلى الله تعالى وتدبيره لأنه جاهل بالأسباب الطبيعية ولما عرف تلك الأسباب عرف استغناء العالم عن الله - نعوذ بالله - مثلا ما لم يعلم أن لنمو النبات وتكون الجنين في الرحم ونزول المطر وهبوب الرياح وغير ذلك أسبابا، نسبها إلى فعل الله ولما علم أن المطر بصعود الرطوبات إلى الجو البارد وتبدل البخار وكذلك ساير الاسباب أنكر أن يكون لله تعالى تأثير، فالاعتراف والإيمان بالله تعالى عندهم من الجهل، والإلحاد والكفر من العلم، وقد رأيت كتابا لرجل منهم يسمى باغوست كنت، طول الكلام في ذلك وأتى بأمور تخالف الحس وما نعلم من التاريخ. ونقل عن بعض ملاحدة شعراء العرب حاصل ما في ذلك الكتاب: اثنان في الدنيا فذو عقل بلا * دين وآخر دين لا عقل له وإنما قلنا إنه مخالف للحس والتاريخ لأنا نرى الجهل بالأمور الغيبية مقدما على العلم بها في التاريخ كما أن جهل الناس بكروية الأرض كان قبل علمهم، وجهلهم بالتشريح وخواص الأدوية قبل علمهم، وجهلهم بعلة الخسوف والكسوف وأسبابهما قبل علمهم، كذلك كان جهلهم بمبدء حكيم قادر لا يرى قبل علمهم به، ونعلم أن أرسطوطاليس وأنكسار غوراس وغيرهما كانوا أعلم الناس جميعا بالأمور الطبيعية وكانوا عالمين بأن نزول المطر من استحالة البخار الصاعد من الأرض كما نص أرسطو في كتابه عليه وعلى ساير الأمور الطبيعية ومع ذلك اعترف بوجود المبدأ الحكيم وبقاء النفس، وبالجملة الحق ما ذكره أمير المؤمنين (عليه السلام) من أن معرفة الله تعالى بالنظر والتفكر إنما حصل للانسان بعد تأمله في خلقه لا ما يقوله هذه الجهال إن اعترافهم بالمبدأ كان قبل التفكر والنظر والتأمل. (ش) (*)