شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٩٧
الروح عن البدن ورجوع الخلق إلى الحق لزوال القوة المزاجية وكل ذلك عليه سبحانه محال، وإنما افتتح بالحمد لتعليم الخلق بلزوم الثناء على الملك الوهاب والاعتراف بنعمته عند الافتتاح بالخطاب لاستلزام ذلك ملاحظة حضرة الجلال والالتفات إليها عامة الأحوال، وابتدأ بعده بالصفات السلبية الدقيقة وهي أن التوحيد المطلق والإخلاص المحقق لا يتحققان إلا بنقض جميع ما عداه عن لوح النفس وطرحه عن درجة الاعتبار وما لا يتحقق الشئ إلا به (١) كان اعتباره مقدما على اعتبار ذلك الشئ، ولما كان (عليه السلام) معلما لكيفية السلوك إلى الحق وكانت العقول قاصرة عن إدراك حقيقته والأوهام حاكمة بمثليته تعالى لمدركاتها، بدأ بذكر السلب لأنه مستلزم لغسل درن الحكم الوهمي في حقه تعالى عن لوح الخيال حتى إذا ورد ذكره تعالى بما هو أهله ورد على ألواح صافية من كدر الباطل فانتقش كما قيل " فصادف قلبا خاليا فتمكنا ". (ولا تنقضي عجايبه) التي كلما تأملها الإنسان وأجال فيه البصر يجد من كمال قدرته وآثار حكمته فوق ما وجده في بادي النظر (لأنه كل يوم في شأن من إحداث بديع لم يكن) الشأن: الأمر والحال وهو سبحانه في كل زمان من الأزمان يحدث في عالم الإمكان على وفق الحكمة والقضاء الأزلي ما هو محل العجب العجيب الذي يحار فيه أبصار البصاير من أفعال غريبة وأشخاص جديدة وأحوال بديعة لم يكن شئ منها قبل ذلك. قال القاضي: وفي الحديث من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين وهو رد لقول اليهود إن الله لا يقضي يوم السبت شيئا، انتهى. أقول: وهو أيضا رد على من ذهب أنه تعالى خلق الموجودات دفعة واحدة على ما عليه الآن معادن ونباتا وحيوانا وإنسانا ولم يتقدم خلق آدم (عليه السلام) على خلق أولاده والتقدم والتأخر إنما يقع في ظهورها لا في حدوثها (٢) وهذا المذهب مأخوذ من (٣) أصحاب الكمون والظهور من جملة الفلاسفة كما أشار إليه ١ - قوله: " ما لا يتحقق الشئ إلا به " يعنى به الذاتيات والأجزاء وأنها مقدمة على المركب منها تقدما بالذات سابقا أن أقسام التقدم الخمسة المشهورة متعارفة عن الناس ويستعملونها في محاوراتهم وليس التقدم عندهم منحصرا في التقدم بالزمان كما توهمه بعض الظاهريين، يقولون في التقدم المكاني: رأيت زيدا وهو شاب جلس مقدما على الشيوخ، وفي التقدم بالشرف: أن نبينا (صلى الله عليه وآله) مقدم على سائر الأنبياء، ويقولون في التقدم الذاتي: تحركت اليد فتحرك المفتاح، ولو عكست القول وقلت: تحرك المفتاح فتحركت يدى غلطوك لدلالة الفاء على الترتب والتأخر وليس حركة اليد بعد حركة المفتاح بل قبله. وعوام العجم أيضا يستعملون هذه المعاني في محاوراتهم في الفارسية. نعم تعديد أقسام التقدم ومعرفة الاصطلاحات خاص بأهل العلم. وهذا نظير الواجب والممكن والممتنع يعرفه الطفل الصغير والشيخ والجاهل البدوي والعامي القروي وإن لم يميزوا الاصطلاح والدور والتسلسل يعترف ببطلانهما جميع الناس ويختص بتقرير الدليل عليه العلماء وهكذا. (ش) ٢ - " في ظهورها لا في حدوثها " ظاهر هذا الكلام غير معقول، اللهم إلا أن يرجعوا إلى ما قالوا في الفرق بين الدهر والزمان وأن = (*)