شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٨٨
(والبصير لا بأداة) أي لا بقوة باصرة (والسميع لا بتفريق آلة) أي لا بتفريق القوة السامعة وتوزيعها على المسموعات وهو توجيهها تارة إلى هذا المسموع وتارة إلى ذلك كما يقال فلأن مفرق الخاطر إذا وزع فكره على حفظ أشياء متباينة ومراعاتها كالعلم وتحصيل المال، وتنزه إدراكه تعالى عن ذلك ظاهر لكونه من توابع الآلات الجسمية والنفوس البشرية. (والشاهد لا بمماسة) أي الحاضر عند كل شئ لا بمماسة شئ من الأشياء، لأن حضوره ليس كحضور الجسم والجسمانيات المستلزم لتماسها وتقاربها في الأين والوضع بل حضوره عبارة عن إحاطة علمه بكل شئ (والباطن لا باجتنان). (١) في كنز اللغة: الاجتنان: " پنهان شدن ودفن كردن " أي الباطن الخفي بسبب أنه لا يدرك ذاته العقول والأفهام ولا ينال صفاته الحواس والأوهام لا بسبب استتاره في شئ أو احتجابه بحجاب. (والظاهر) أي الظاهر وجوده بالاشراقات العقلية والتجليات الذهنية والتدبيرات التي له في كل ذرة من الموجودات إذ كل شئ دليل على وجوده ومرآة لظهوره. (الباين لا بتراخي مسافة) أي مباين للأشياء متباعد منها لا بتباعد أين ولا بتراخي مسافة وبينها، لأن ذلك من خواص الأينيات بل بذاته وصفاته حيث إن ذاته لا تماثل بذوات شئ من الموجودات وصفاته لا تشابه بصفات شئ من الممكنات (إزله نهية لمجاول الأفكار) النهية بضم النون وسكون الهاء وفتح الياء المثناة من تحت اسم من نهاه ضد أمره. وفي بعض النسخ " نهي " بدون التاء. والمجاول بالجيم جمع مجول بفتح الميم وهو مكان أو زمان من المحاولة وفي المصادر: المحاولة: " جستن وخواستن " يعني أزله ينهى ويمنع أن يتحقق محل لجولان الأفكار الطالبة لمعرفة ذاته وصفاته أو ١ - " الباطن لا باجتنان " والأظهر أن الباطن بمعنى الباطن في كل شئ كما تكرر مفاده في كلامه (عليه السلام) " داخل في الأشياء لا بالممازجة وخارج عنها لا بالمباينة " ولا يخفى أنه لو كان ممازجا كان باطنا باجتنان وهو محال ولزم التجزي والتعدد تعالى الله عنه، ولو كان مباينا عن الأشياء لزم استقلال الأشياء واستثناؤها عنه في البقاء بل في الحدوث أيضا وهذا هو الوحدة العددية التي نفاها أمير المؤمنين (عليه السلام) عن ذات واجب الوجود إذ يلزم منه كون مجموع الموجودات حاصلا من آحاد متباينة متمايزة أحدها واجب الوجود والباقي ممكنات فيكون هو تعالى في عرض الممكنات مع أن شيئا منها لا يستحق أن يعد شيئا معه، ولا أقرب إلى الفهم إلا أن يسمى جميها عدما أو ربطا أو ظلا وأمثال ذلك مما يجعلها لا شيئا في الحقيقة، وقد يمثل بالنفس والقوى، ولله المثل الاعلى، وليس كمثله شئ، فالنفس في وحدتها كل القوى، والبصر غير السمع، وهما غير الذوق والشم واللمس وكلها متحدة في ذات النفس، لأنا نعلم أن الذي يبصر هو الذي يسمع، ونعلم أيضا أن البصر لا يدرك الصوت، والسمع لا يدرك اللون، والنفس مدركة لها، محيطة بجميعها والله تعالى قاهر عليها ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم من غير أن يلزم حلول، تعالى الله عنه، فإن الحلول ينبئ عن تأصل الممكن وأقوائيته في الوجود وأشديته في التحصيل من الحال فيه مع أنه ليس شيئا إلا بقيوميته تعالى، فالحلول يجعل وجوده تعالى تابعا وعرضا في الممكن ووحدة الوجود يجعل الممكنات لا شيئا حتى ينحصر الوجود في الواجب عزوجل، ويصح أن يقال لا هو إلا هو. (ش) (*)