شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٨٠
حمده) حمد الله تعالى باعتبارات لا ينبغي إلا له: الأول: أنه ألهم عباده حمده على ذاته المنزهة عن لواحق الإمكان وصفاته المقدسة عن الزيادة والنقصان ونعمائه الفائضة على الإنس والجان، وآلائه المنثورة في عرصة الإمكان إذ لا يخلو أحد من نعمه في شئ من الأحوال، فلا يخلو من حمده بلسان الحال أو المقال كما قال جل شأنه * (وإن من شئ إلا يسبح بحمده) * (وفاطرهم على معرفة ربوبيته) (١) إذ العقول البشرية مفطورة على الاعتراف بربوبيته كما دل عليه قوله تعالى * (ألست بربكم ؟ قالوا ! بلى) * وذلك لأنه تعالى وهب كل نفس قسطا من معرفته وفطرها على استعداد قبول كمال إلهيته حتى نفوس الجاحدين له فإنها أيضا اعترفت بربوبيته لشهادة أعلام الوجود وآيات الصنع بصدورها عنه حتى حكم صريح بديهتها إذا لم ينخدع من الوهم بالحاجة إلى رب صانع حكيم (الدال على وجوده بخلقه) إشارة إلى طريق الطبيعيين وهو الاستدلال بالنظر في المخلوقات وطبايعها وإمكانها وتكونها وحدوثها وقبولها للتغير والانتقال والتركيب والتحليل على وجود المبدأ الأول، وإلى هذا الطريق أشار خليل الرحمن كما هو المذكور في القرآن، والمتكلمون فرعوا هذا الطريق إلى أربع طرق، لأن بعضهم استدلوا بحدوث هذه الذوات على إمكانها (٢) وبإمكانها على حاجتها إلى موجد مؤثر، وبعضهم استدلوا بحدوث هذه الذوات فقط من غير نظر إلى الإمكان فقالوا: الأجسام محدثة وكل محدث فله محدث والمقدمة الأولى استدلالية (٣) والثانية بديهية، وبعضهم ١ - قوله: " وفاطرهم على معرفة ربوبيته " من الأمور التي فطر الله الخلق عليها اعترافهم بربوبيته وخضوعهم وهذا نظير فطرة الحيوان على معرفة الذكر من الأنثى، وما ينفع ويضر من الطعام، والهرب من الموت، ومحبة الأولاد، وهي غرايز طبيعية غير قسرية إذا خرج منها عاد إليها كما إذا سخن الماء قسرا رجع إلى البرودة. (ش) ٢ - قوله: " بحدوث هذه الذوات على إمكانها " والفرق بين الأول والثاني توسيط الإمكان، والغرض منه أن الحدوث لا يمكن أن يكون علة للحاجة كما مر، نعم يمكن أن يكون دليلا على الإمكان إذ لو كان واجبا كان قديما لكنه ليس قديما فليس واجبا. (ش) ٣ - قوله: " والمقدمة الأولى استدلالية " إذ ليس حدوث الأجسام بديهيا، واستدلوا عليه بأن الجسم لا يخلو عن الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث حادث فالجسم حادث، أما أن الجسم لا يخلو عن الحوادث فلأنه إما أن يكون ساكنا أو متحركا والسكون هو الكون في الآن الثاني في المكان الأول، والحركة كونه في الآن الثاني في المكان الثاني، والكون الثاني حادث لا محالة. أما أن ما لا يخلو عن الحوادث حادث فلأن عدد تلك الحوادث لا يمكن أن يكون غير متناه ببرهان التطبيق وقد مر تقريره في المجلد الثالث. فإن ناقش أحد في استحالة عدم تناهى الأكوان بأن عدد الأكوان بين المبدأ والمنتهى في الحركة غير متناه أيضا، لأن المسافة التي يتحرك فيها الجسم والزمان ينقسمان إلى غير النهاية لبطلان الجزء الذي لا يتجزى ولو فرض أن أكوان هذا الجسم في = (*)