شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٧٥
الأرض من جهة الغاية ومن جهة المبدأ، فكما أن العود يثمر ثمرا منتفعا بها كذلك الغرائز تثمر الآثار الموافقة لنظام العالم كقوة التعجب والضحك والإدراك للإنسان والشجاعة للأسد والجبن للأرنب والمكر للثعلب (١) إلى غير ذلك مما تعلم ولا يعلم من آثار طبايع هذا العالم وخواصها فدلت تلك الأشياء بسبب الغرائز المركوزه فيها والطبايع المغروزة فيها أن لا غريزة لمغرز تلك الغرائز وموجدها ضرورة أن ذات الخالق الواجب بالذات مغايرة لذوات المخلوقات غير مشابهة بغرايزها المخلوقة وإلا لكان هو ممكنا مخلوقا مثلهم تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. (مخبرة بتوقيتها أن لاوقت لموقتها) (٢) يعني أن الله تعالى قدر الأشياء بالعلم الأزلي وربط كل ذي ١ - قوله: " والمكر للثعلب " هذه الغرائز في الحيوان تارة تسمى فطنا وأخرى إلهاما وأخرى جبلة، وفي توحيد المفضل: " فكر يا مفضل في الفطن التى جعلت في البهائم لمصلحتها بالطبع والخلقة لطفا من الله عزوجل لهم لئلا يخلو من نعمه - جل وعز - أحد من خلقه لا بعقل وروية - الى أن قال - والثعلب إذا أعوزه الطعم تماوت ونفخ بطنه حتى يحسبه الطير ميتا فإذا وقعت عليه لتنهشه وثب عليها فأخذها. فمن أعان الثعلب العديم النطق والروية بهذه الحيلة إلا من توكل بتوجيه الرزق له من هذا وشبهه " وفي ذلك الكتاب أيضا: " انظر إلى الدجاجة كيف تهيج لحضن البيض والتفريخ وليس لها بيض مجتمع ولا وكر موطى بل تنبعث وتنتفخ وتقوقي وتمتنع من الطعم حتى يجمع لها البيض فتحضنه وتفرخ فلم كان ذلك منها الا لاقامة النسل ؟ ومن أخذها بإقامة النسل ولا روية ولا تفكر لولا أنها مجبولة على ذلك ؟ " وفيه أيضا: " ثم صار الطائر السابح في هذا الجو يقعد على بيضه فيحضنه أسبوعا وبعضها اسبوعين وبعضها ثلاثة أسابيع حتى يخرج الفرخ من البيضة ثم يقبل عليه فيزقه الريح لتتسع حوصلته للغذاء ثم يربيه ويغذيه بما يعيش به فمن كلفه أن يلقط الطعم ويستخرجه بعد أن يستقر في حوصلته ويغذو به فراخه ؟ ولأي معنى يحتمل هذه المشقة وليس بذي روية ولا تفكر ولا يأمل في فراخه ما يأمل الانسان في ولده من العز والرفد وبقاء الذكر الى آخره ؟ ومن ذلك كله تعرف أن الغريزة ومرادفاتها معان أخذت فيه قيد لا يمكن إثباته لواجب الوجود، وهذا القيد صدور فعل أعظم وأحكم من علم الفاعل وقدرته، وجل الحق تعالى من أن يصدر عنه فعل لم يتعلق به علمه وقدرته فليس فيه غريزة. (ش) ٢ - قوله: " أن لا وقت لموقتها " نفي الزمان عن الواجب تعالى متواتر في الروايات موثق بالدلائل العقلية والحجج البرهانية وقد مر نبذة منها وبذلك يعلم أنه لا يمكن إثبات زمان بين وجود الواجب وأول الصوادر عنه ولا يصح أن يقال: مضى زمان كان فيه واجب الوجود وحده ولم يكن شئ من المخلوقات، ولا أن يقال: عدم الممكنات مقدم زمانا على حدوثها. وقد حكى العلامة المجلسي (رحمه الله) في المجلد الرابع عشر من بحار الأنوار تصريحات من العلماء ومؤكدات لذلك منها ما عن المحقق الطوسي قال: والعقل كما يأبى عن إطلاق التقدم المكاني كذلك يأبى عن إطلاق التقدم الزماني بل ينبغي أن يقال أن للباري تعالى تقدما خارجا عن القسمين وإن كان الوهم عاجزا عن فهمه. وعنه أيضا: أزليته تعالى إثبات سابقية له على غيره، ونفي المسبوقية عنه، ومن تعرض للزمان أو الدهر أو السرمد في بيان الأزلية فقد ساوق معه غيره في الوجود، ونقل عن الكراجكي بعد نفى كون تقدم في الوجود التقدم المفهوم المعلوم الذي يكون أحدهما به موجودا والآخر معدوما، ولسنا نقول إن هذا التقدم موجب للزمان لأن الزمان أحد الأفعال والله تعالى متقدم جميع الأفعال، وليس أيضا من شرط التقدم والتأخر في الوجود أن يكون ذلك في زمان، لأن الزمان نفسه قد يتقدم بعضه على بعض، ولا يقال: إن ذلك مقتض لزمان آخر = (*)