شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٧٣
ودلالتهما على وجود المؤلف والمفرق الصانع لهذا العالم مفاد هذه الآية الشريفة ومضمونها أما أولا فلما ذكره بعض المفسرين من أن المقصود أنه تعالى خلق كل جنس من أجناس الموجودات نوعين وهما زوجان، لأن كل واحد منهما مزدوج بالآخر كالذكر والأنثى، والسواد والبياض (١) والنور والظلمة، والليل والنهار، والحار والبارد، والرطب واليابس، والسماء المرفوعة، والأرض الموضوعة، والشمس والقمر، والثوابت والسيارات، والسهل والجبل، والبر والبحر، والصيف والشتاء، والجن والإنس، والعلم والجهل، والشجاعة والجبن، والجود والبخل، والإيمان والكفر، والسعادة والشقاوة، والحلاوة والمرارة، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والضحك والبكاء، والفرح والغم، والحياة والموت، إلى غير ذلك مما لا يحصى، وفايدة هذا التفريق دلالتهم على التذكر بأن لهذه الأشياء موجدا وأن موجده واحد إذ التعدد والانقسام والأزواج من خواص الممكنات. = آخر نبات أو معدن أو حيوان، ويتوقف استحالته على تأثير مؤثر فيه حتى يتغير أي حتى يحصل له جديدة، ويسمى في عرفهم بالامكان الاستعدادي، وقالوا: كل حادث في مادة متوقف على سبق استعداد ولا يمكن ذلك إلا بوجود مؤثر في متأثر، والمؤثر بمنزلة الذكور، والمتأثر بمنزلة الإناث اللهم إلا في المبدعات التي استعدادها حاصل لها من خالقها ولا بد من الانتهاء إليها، لأن قوله تعالى: * (من كل شئ خلقنا زوجين) * لا يشمل نفس الزوجين مطلقا، لأن كل زوج لو كان من زوجين وكل واحد منهما من زوجين أيضا لزم التسلسل فهو بمنزلة أن يقال من كل شئ خلقنا زوجين إلا نفس الزوجين فكل شئ إنما يحصل من زوجين لتحصيل الاستعداد إلى أن ينتهى إلى ما يكون الاستعداد حاصلا له من غير توقف على تأثير وتأثر وتغير من حال إلى حال ويسمى مبدعا. والمبدعات عناصر مركبة كل واحد منها من مادة وصورة نوعية وجسمية بل كل شئ سوى الله تعالى زوج تركيبي له ماهية ووجود. (ش) ١ - قوله: " والسواد والبياض " والمناقشة في بعض هذه الأمثلة غير ضارة بأصل المقصود، والغرض أن هذه الأمور المتضادة مؤثرة في تحصيل الاستعداد للمواد حتى تتهيأ لقبول الصورة الكمالية، فالنور مؤثر لدفعه الظلمة عن بعض المواد، وجرب أن النباتات لا تنمو في الظلمة وبعض الحشرات لا تتولد في النور المحض، فالظلمة مؤثرة فيها بدفعها النور عنها والحرارة مهيئة لبعض المواد حيث لا تقبل الصورة الكمالية إلا بالحرارة كبعض الحيوانات وبيض الدجاج لا تنفلق عن الفراريج إلا بحفظها مدة في حرارة ثابتة وهكذا كل شئ حاصل من مدافعة الأمور المتضادة بعضها بعضا، والحكم والمصالح التي روعيت بعناية الصانع الحكيم في هذا التفريق والتأليف دالة على حكمته وعلمه وقدرته، وزعم بعض الجهلة أن الاستدلال بجمع المتضادين من جهة خرق العادة وذلك لأنهم يظنون الطبيعة والعادة شيئا وإرادة الله ومشيئته شيئا مضادا لهما فإن رأوا الأشياء جارية على مجرى العادة كالنار تحرق والماء يسيل إلى المنحدر لم ينسبوا فعلهما إلى الله تعالى إلا بالمجاز والتخلية والتفويض، وإن رأوا النار صارت بردا وسلاما، والماء جرى إلى فوق نسبوه إلى الله تعالى وزعموا أن الجمع بين المتضادين بمعنى تركيب شئ من الثلج والنار مثلا بحيث لا يطفئ النار ولا يذاب الثلج، والحق أن جميع أفعال الطبايع ومجاري العادات بمشيئة الله تعالى وليست إرادته ضدا للطبيعة ولا الطبيعة ضدا لإرادته تعالى، ولا مؤثر في الوجود إلا هو سواء كان على مجرى العادة أو غيرها. (ش) (*)