شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٧٢
منها مع وجود الداعي إلى الاجتماع (١) والالتصاق، وتأليف تلك الأجزاء مع وجود الداعي إلى الافتراق من أعظم الدلايل الدالة على ما ذكر، وكذا تفريق الأشياء المتدانية بأجناسها وأنواعها وأشخاصها وحدودها وحقيقتها وأشكالها وصفاتها مقاديرها وغرايزها وأخلاقها كما هي في نظام الوجود دليل واضح على ذلك، وكذا تأليف الأرواح بالأبدان مع كمال المعاداة بينهما بحسب الذات والصفات واللطافة والكثافة وإحداث الملايمة بينهما وتخصيص كل نفس ببدن من الأبدان على وجه تشتغل بتدبيره وإصلاحه واستعماله فيما يعود إليه من المصالح والمنافع على النظام الأقصد والطريق الأرشد، ثم التفريق بينهما بقطع الملايمة وإزالة الارتباط دليل قاطع على ذلك وقس على ما ذكرنا سائر التفريقات والتأليفات الواقعة في هذا العالم (وذلك قوله تعالى * (ومن كل شئ خلقنا زوجين (٢) لعلكم تذكرون) * أي ذلك المعنى المذكور أعني وقوع التأليف والتفريق في الأشياء = تكثر الوسائل والتجارب وتتبع الموجودات بأنحائها، ولا بد أن يعترف بعلم من ألف بين متعادياتها وقدرته وحكمته، وأشرنا الى مزاج الدم في الانسان كيف ركبه الصانع من جزء مايع وحيوانات صغيرة غواصة، وقال أصحاب التجربة: إن في بدن الانسان نحو جزء من ثلاثة عشر جزءا من وزنه من الدم وفي كل ميليمتر مكعب منه نحو خمسة ملايين جرثومة حمراء صغيرة وستة عشر ألف جرثومة بيضاء وكلها غواصة في مائع يحتوى على قريب من نصفه جسما بخاريا هوائيا وأملاحا ودسومة وغير ذلك، كلها لخاصة فيها ومصلحة يترتب على وجودها، وعلم الخالق أن سلامة بدن الانسان إنما تتوقف على وجود تلك العناصر في الدم بحيث لو زاد على ذلك أو نقص أوجب أمراضا هائلة. ففي دم الانسان ثلاثة إلى خمسة غرامات من ملح الطعام مثلا وللدم خاصية الترويح بالنسيم في الرية ودفع الأدخنة، وهذه الخاصية من المزاج الذي اختار له الخالق بقدرته وحكمته، فلو لم يكن الدم مركبا من عناصره المشخصة بالمقادير المحدودة لم يكن لجراثيمه أخذ النسيم الذي هو العمدة في تركيب الروح الحيواني ويستعمل الأطباء كثيرا تجزية الدم وتميز المواد فيه في تشخيص الأمراض، وما هذا إلا لأن زيادة بعض العناصر أو نقصه فيه مضر بصحة البدن، فيعرف منه حكمة الخالق فيه وفي كل شئ غيره ومثله. (ش) ١ - قوله: " مع وجود الداعي إلى الاجتماع " أراد بالداعي السبب، ولا يخفى أن أكثر العوام يطلبون دليل وجوده تعالى في الأمور النادرة والمخالفة للعادة كأنه لا يحتاج إليه تعالى في الوقائع المعتادة مثلا نبات الشجر من البذر معتاد لا ينسب إليه تعالى وأما ان نبت من الحجر مثلا فهو من الله ولا يجوز أن يحمل عليه كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)، لأن كل شئ من الله وإنما يستدل عليه بإحكام الصنع ونظام الوجود كما قال الشارح " كما هي في نظام الوجود ". (ش) ٢ - قوله: " ومن كل شئ خلقنا زوجين " هذا في الحيوانات ظاهر للعامة وفي النباتات ثابت بالتجربة للعارفين بهذا الشأن إذ تحقق لديهم أن في كل نبات ذكرا وأنثى، والذكر يلقح الأنثى وكان يسمى في النخل تأبيرا وفي ما سواها يلقح بالرياح الحاملة لنطفة ذكران النبات إلى أناثها، وأما في ساير الموجودات فيستدل عليه بحجة، وهي أن إفاضة الصور الحادثة على المواد متوقفة على حصول الاستعداد لها إذ معلوم أن كل شئ إذا خلى وطبعه ولم يؤثر فيه شئ من الخارج بقي على ما هو عليه أبدا، فلو بقي التراب من غير أن يؤثر فيه حرارة أو برودة أو ماء أو نار أو أي قوة أخرى بقى ترابا لم يستحل إلى شئ = (*)