شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٦٢
يعني بعد من الأشياء في حال قربه منها وقرب منها في حال بعده عنها، فهو في حال بعده قريب وفي حال قربه بعيد، وسر ذلك أن قربه وبعده ليسا بالالتصاق والافتراق، لأن ذلك من خواص الجسمانيات وهو منزه عنها بل قربه باعتبار علمه المحيط بكل شئ، وبعده باعتبار عدم كونه من جنس مخلوقاته وعدم بلوغ العقل والحواس إلى كنه ذاته وصفاته، وفيه تأكيد لرد الأحكام الوهمية بالاحكام العقلية فإن الوهم يحكم بأن ما كان بعيدا عن شئ لا يكون قريبا منه، وما كان قريبا من شئ لا يكون بعيدا عنه لكون حكمه مقصورا على المحسوسات، ونحن لما بينا أن قربه وبعده من الخلق ليسا قربا وبعدا مكانيين بل بمعنى آخر، لا جرم لم يكن بعده بذلك المعنى منافيا لقربه ولا قربه بذلك المعنى منافيا لبعده، بل كانا مجتمعين. (كيف الكيف فلا يقال كيف (١) وأين الأين فلا يقال أين) يعني هو جعل الكيف كيفا والأين أينا ولم يكن قبل ذلك الجعل كيف ولا أين فلا يجوز أن يسأل عن كيفيته وأينيته (إذ هو منقطع الكيفوفية والأينونية) (٢) قبل وجود الكيف والاين بالضرورة وإذا كان كذلك كان منقطعا عنهما بعد وجودهما أيضا لاستحالة انتقاله من حال إلى حال وامتناع اتصافه بوصف لم يكن له في وقت من الأوقات. * الأصل: ٤ - محمد بن أبي عبد الله رفعه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: بينا أمير المؤمنين (عليه السلام) يخطب على منبر الكوفة إذ قام إليه يقال له ذعلب، ذولسان بليغ في الخطب، شجاع القلب، فقال: يا أمير المؤمنين ! هل رأيت ربك ؟ قال: ويلك يا ذعلب ! ما كنت أعبد ربا لم أره، فقال: يا أمير المؤمنين ! كيف رأيته ؟ قال: ويلك يا ذعلب لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان ويلك يا ذعلب، إن ربي لطيف اللطافة لا يوصف باللطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، قبل كل شئ لا يقال شئ قبله وبعد كل شئ لا يقال: له بعد، شاء الأشياء لا بهمة، دراك لا بخديعة في الأشياء كلها، غير متمازج بها، ولا بائن منها، ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجل لا باستهلال رؤية، ناء لا بمسافة، قريب لا بمداناة، لطيف لا بتجسم، موجود لا بعد عدم، فاعل لا باضطرار، مقدر لا بحركة، مريد لا بهمامة، سميع لا ١ - قوله: " كيف الكيف فلا يقال كيف " المعلول شئ لا يمكن أن يحتاج إليه العلة ولا يكون في مرتبته فإذا كان المكان مخلوقا له متأخرا عنه في الوجود لم يتصور احتياجه إلى المكان وإذا كان الكيف مخلوقا له لم يتصور له في ذاته كيف. (ش) ٢ - قوله: " منقطع الكيفوفيه " كلمة " منقطع " بصيغة اسم المفعول يحتمل كونه اسم مكان أي محل انقطاع سلسلة العلل إذا عن الكيف بأى شئ حصل أجيب بعلته وإن سئل عن علتها أجيب بعلة العلة وينقطع السؤال إذا انتهى إلى واجب الوجود. (ش) (*)