شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٣٩
(ابتدع ما خلق بلا مثال سبق) (١) يعني أنه اخترع الأشياء على ما لها من المقادير والأشكال والنهايات والآجال والصفات والكمال على وفق الحكمة بلا مثال امتثله ولا مقدار احتذى عليه من خالق كان قبله (ولا تعب ولا نصب) التعب والنصب الكلال والأعياء، فالعطف للتفسير والتأكيد، وحمل أحدهما على كلال القوة الآلية والآخر على كلال القوة المدركة النفسية ممكن، ولما كان شأن من فعل فعلا من سائر الفاعلين لا يخلو عن تعب وكلفة ومشقة نزه فعله تعالى عما يلزم غيره من الأمور المذكورة لأنها من توابع الانفعالات العارضة للآلات النفسانية والقوى الجسمانية وقدسه تعالى منزه عنها. (وكل صانع شئ فمن شئ صنع، والله لا من شئ صنع ما خلق) إشارة إلى الفرق بين الصنايع البشرية وصنع الله تعالى بأن صنعه تعالى على سبيل الابداع والاختراع (٢) دون الصنايع البشرية، وذلك لأن الصنايع البشرية إنما تحصل بعد أن ترسم في الخيال صورة المصنوع وتصور وضعه وكيفيته أولا وتلك الصور والتصورات تارة تحصل عن أمثلة للمصنوع وتصور مقادير وكيفيات خارجية له يشاهدها الصانع ويحذو حذوها، وتارة تحصل بمحض الإلهام كما يفاض على ذهن بعض من الأذكياء صورة شكل لم يسبق إلى تصوره فيتصوره ويبرز صورته في الخارج وليس شئ من هذين الفعلين اختراعا، أما الأول فظاهر، وأما الثاني مع أن الفاعل يسمى مخترعا في العرف فلأن التحقيق يشهد بأنه إنما فعل على وفق ما وجد في ذهنه من الشكل والهيئة والمقدار الفائضة من مفيض الحق فيكون في الحقيقة فاعلا عن مثال سبق من الغير فلا يكون مخترعا، وكيفية صنع الله تعالى للعالم وجزئياته منزهة عن الوقوع على أحد هذين الوجهين، أما الأول فلأن الله تعالى (٣) كان ولم يكن معه شئ فلم يكن في مرتبة وجوده مثال ومقدار ولا ممثل ومقدر حتى يعمل هو جل شأنه ١ - قوله: " ابتدع ما خلق بلا مثال سبق " قد يكون المخلوق من شأنه أن لا يكون له مثال سابق أو غير سابق كالمجردات المحضة وقد يكون من شأنه أن يكون له مثال كالا فلاك والابتداع يشمل كليهما بل يشمل الكائنات إذا نسبت إليه تعالى. (ش) ٢ - قوله: " على سبيل الابداع والاختراع " جعل الشارع الابداع والاختراع بمعنى واحد ولعله في العرف كذلك إذ لا يفرقون بينهما وخص بعضهم كلمة الابداع بما لا يكون مسبوقا بمادة ولا مدة والأختراع بما لا يكون مسبوقا بمدة وان كان مسبوقا بمادة، فالعقول عندهم مبدعة والافلاك مخترعة والمسبوق بالمادة والمدة جميعا كائن كالنفوس والمواليد ولا مشاحة في الاصطلاح. (ش) ٣ - قوله: " أما الاول فلان الله تعالى " يعنى كل مثال ومقدار يفرض فهو متأخر عن وجوده تعالى ذاتا لانه ممكن والممكن مخلوقه، فان احتمل أنه تعالى خلق شيئا على وفق مثال نذلك المثال أيضا مخلوقه. (ش) (*)