شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٣٦
تعالى أقرب إلى كل شئ من نفسه ويحتمل أن يكون المراد بهاتين الفقرتين أنه لما كان الكون في المحل والنأي عنه والمباينة له أمورا إنما يقال على ما يصح حلوله فيه كان هو الله تعالى منزها عن الحلول وجب أن يمتنع عليه إطلاق هذه الأمور وإذ ليس هو بحال في الأشياء فليس هو بكائن فيها، وإذ ليس بكائن فيها فليس بناء عنها ولا مبائن لها (ولم يخل منها فيقال له أين) لما كان عدم خلوه من شئ من الأشياء سببا لعدم حصوله في أين ودليلا على عدم تحيزه، بحيز إذ الحاصل في أين والكائن في حيز قريب من بعض الأشياء وبعيد خال عن بعض آخر بالضرورة كان خلوه من الأشياء سببا لحصوله في أين وتحيزه بحيز، ودليلا عليه، لأن انتفاء السبب دليل على انتفاء المسبب فصح التفريع على المنفي وبعبارة أخصر هو مع كل شئ ولم يخل من شئ ما حتى يقال: أين هو (لكنه سبحانه أحاط بها علمه) إشارة إلى أن عدم خلوه من الأشياء عبارة عن إحاطة علمه بكلياتها وجزئياتها ومستقبلها وماضيها ونفوذه في كل مستتر وغايب بحيث لا يستره ساتر ولا يحجبه حاجب حتى أنه يعلم ما دق من عقائد القلوب وأسرار الصدور وشخوص لحظة وصدور لفظة وانبساط خطوة وحسيس نملة في ليل داج وغسق ساج (وأتقنها صنعه) (١) على وفق الحكمة في أكمل نظام وأفضل قوام وأحسن أحوال وأزين أشكال بحيث يتحير فيه فحول الحكماء وعقول العلماء، سبحانه أعطى كل شئ خلقه وأحكم به أمره (وأحصاها حفظه) نبه بذلك على إحاطة حفظه بجميع الأشياء تفصيلا وشمول علمه بها كما وكيفا وإحصائه لها عددا كما قال: * (لقد أحصاهم وعدهم عدا) *. وقال: * (وأحصى كل شئ عددا) * وفيه انجذاب للنفوس البشرية من مقتضيات الطبيعة الناسوتية إلى الطاعة والانقياد له والميل إليه والردع عن المشتهيات لظهور أن علم العصاة بأنه لا يشذ أحد منهم عن إحاطة علمه وإحصائه جذاب إلى تقواه وبالله التوفيق (لم يعزب عنه خفيات غيوب الهواء) وهو الفضاء ما بين الأرض والسماء. وإضافة الخفيات إلى الغيوب بيانية، وإضافة الغيوب إلى الهواء ظرفية بتقدير " في " والمراد بالخفيات: الذرات المبثوثة وغيرها، وجعل الإضافة الثانية من باب جرد قطيفة والإضافة الأولى ظرفية أي الخفيات التي في الهواء الغايب عن الأبصار يأباه جمع الغيوب على الظاهر وإن كان المعنى أحسن وأتقن. (ولا غوامض مكنون ظلم الدجى) الغوامض: جمع الغامض وهو خلاف الواضح، والدجى بضم ١ - قوله: و " أتقنها صنعه " كأنه (عليه السلام) ذكره دليلا على ثبوت علمه بكل شئ فإنا إذا رأينا الحكم والمصالح التي راعاها المبدئ الحكيم في كل عضو وتركيب من بدن الحيوان وغيره حكمنا بأن الفاعل عالم بما فعل وبما هو صالح أن يكون كل شئ عليه. وهذا لا يمكن إلا بالعلم بجميع الأمور من خواص المقادير وتركيب الطبايع والعناصر والمزاجات وغيرها. (ش) (*)