شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٣٤
يناله الفطن الغائصة، ووجه الحسن أن المقصود هو المبالغة في عدم إصابة ذاته وصفاته وأسراره تعالى بالهمة من حيث هي بعيدة وبالفطنة من حيث هي غائصة، فالحيثية مقصودة بالقصد الأول فلذا قدم، فسبحان الذي كل ذي همة بعيدة في أنوار كماله حريق، وكل ذي فطنة غائصة في بحار جلاله غريق (وتعالى الله الذي ليس له وقت معدود ولا أجل ممدود) أي ليس لو جوده زمان متناه ولا زمان غير متناه، لأن موجد الزمان (١) يمتنع تقدير وجوده بالزمان، لأن وجوده لو كان زمانيا لزم تقدم الزمان عليه وإذا لم يكن زمانيا كان غنيا في وجوده عنه (ولا نعت محدود) أي ليس له نعت محدود بحد لغوي وهو النهاية ولا بحد حقيقي وهو المشتمل على الذاتيات أما الأول فلأنه ليس لمطلق ما يعتبر عقولنا من الصفات الكمالية والصفات السلبية والإضافية نهاية معقولة تنتهي عندها، وأما الثاني فلأن نعته تعالى ليس مركبا من الجنس والفصل وإلا لكان حادثا فيلزم نقصه تعالى وكونه محلا للحوادث وكلاهما باطل، ويمكن أن يؤول هذا القول بما يؤول به قولهم " ليس بها ضب ينجحر " أي: ليس بها ضب فينجحر، فيكون المراد أنه ليس له نعت فيحد، وهذا على ما هو الحق من أنه تعالى منزه من كل جهة عن الكثرة بوجه ما، وقد حصل في هذه القرائن الثلاث السجع المتوازي مع نوع من التجنيس (سبحان الذي) ترك العاطف لأنه تأكيد للسابق وتقرير لمضومنه (ليس له أول مبتدأ) بالرفع والتنوين معا أو بالرفع فقط لأنهم اختلفوا في صرفه (ولا غاية منتهى ولا آخر يفنى) لأنه أزلي وأبدي فليس له ابتداء ولا انتهاء ولا فناء، والنفي راجع إلى القيد وإلا فهو الأول المطلق الذي لا شئ قبله، والآخر المطلق الذي لا شئ بعده، والغاية لكل شئ باعتبار أن مصاير الخلائق وعواقب الأمور إليه، فهو غاية مطالب السائرين ونهاية مقاصد الطالبين وهو الباقي بعد كل شئ، في وجوده الحق وكماله المطلق (سبحانه هو كما وصف نفسه) في القرآن الكريم وحين كان ولم يكن معه شئ لا كما وصف الظالمون المكذبون (والواصفون لا يبلغون نعته) وإن بالغوا، لأن عقول المقربين ونفوس المقدسين ١ - قوله: " لأن موجد الزمان " قد تكرر في الحديث نفي الزمان عنه تعالى ولا يمكن أن يكون المراد منه نفي الزمان المعين كساير الحوادث، والشارحون على أن ذاته تعالى غير مقترن بالزمان لا مستمرا ولا معينا بمعنى أنه لا يتغير حتى يكون زمانيا، وفي الزمان مذاهب مشهورة وهو عند بعضهم واجب الوجود بمعنى أنه لا يمكن عدمه فليس مخلوقا، وعند بعضهم هو أمر موهوم لا حقيقة له في الخارج وعلى هذين المذهبين لا يتصور له موجد والمشهور عن الحكماء والمتكلمين أنه مقدار حركة ما فيكون من عوارض الحركة والحركة من عوارض الجسم فموجد الزمان هو الذي أوجد الجسم وأوجد التغير فيه فيكون الزمان مخلوقا بخلق الجسم والحركة ولا يتصور وجود زمان قبل أن يخلق جسم. والعجب أن بعضهم يثبتون الزمان قبل أن يخلق الله تعالى جسما مع قولهم بأن الزمان أمر موهوم لا حقيقة له في الخارج وليس بنا حاجة إلى فهم كل ما قاله الناس وتصحيح أوهامهم، والمقصود هو عدم ثبوت التغير في ذاته حتى يكون له زمان. (ش) (*)