شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٣٣
خرق تلك الهيئات وخلص من تلك الظلمات ونزل في ساحة العز والجلال وقد احتجب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحجاب يتلألأ كما دل عليه حديث المعراج فكيف غيره. كيف الوصول إلى سعاد ودونها * قلل الجبال ودونهن حتوف (تاهت في أدنى أدانيها طامحات العقول في لطيفات الأمور) التيه: التحير، والدنو: القرب، وأدنى: اسم تفضيل والأداني: جمع الدني وهو القريب، وضمير التأنيث للحجب، والإضافة في طامحات العقول ولطيفات الأمور من باب الإضافة في جرد قطيفة. و " في " متعلق بالطامحات، والطامح الأمر المرتفع يقال: طمح بصره إلى شئ إذا ارتفع إليه وبالغ ليراه: يعني تحيرت في أول حجاب من تلك الحجب وأقرب من تلك الأستار العقول الطامحة في الأمور اللطيفة للمبالغة في إدراكها وإدراك أسرارها فكيف حال العقول الغير الطامحة أعني العقول الناقصة وكيف حال بواقي الحجب التي هي أرفع وأعظم من المذكور، وفيه تنبيه على أنه لا يجوز للبشر أن يعتمد في معرفة الصانع بعقله وإن كان ذكيا فهيما بل يجب عليه أن يرجع إلى صاحب الوحي (١) وأهل الذكر وبالله التوفيق. (فتبارك الذي لا يبلغه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن) تبارك: إما مشتقة من البروك المستلزم للبقاء والثبات في موضع واحد أو من البركة وهي الزيادة، فهو بالاعتبار الأول إشارة إلى عظمته باعتبار دوام بقائه واستحقاقه قدم الوجود لذاته وثبوت وجوده لا عن ابتداء ولا إلى انقطاع، وبالاعتبار الثاني إشارة إلى فضله وإحسانه ووجوه الثناء عليه. والنيل: الإصابة، والهمة: العزم الجازم يقال: فلان بعيد الهمة إذا كانت إرادته تتعلق بعليات الأمور دون محقراتها. والغوص: الغور والحركة في عمق الماء. والفطن بفتح الفاء وكسر الطاء: الذكي المتوقد، وبالعكس جمع الفطنة وهي في اللغة: الفهم وعند العلماء: جودة الذهن المعدة لا كتساب المطالب العلية، ولما كانت صفات كماله ونعوت جلاله في عدم الوقوف على حقائقها وأغوارها تشبه البحر الخضم الذي لا يصل الغائص إلى قعره كانت الفطنة المتحركة فيها شبيهة بالغائص في البحر فاستعير الغوص لحركات الفطن في عميقات غيوب ملكوته وأسرار عالم الغيب العميقة طالبة لتصورها كما هي والبلوغ إلى كنهها، ويفهم منه استعارة البلوغ لحركات الهمم البعيدة إذ هو حقيقة في لحوق جسم وجسماني بجسم وجسماني آخر، وهاتان الاضافتان في معنى الصفة أي لا يبلغه الهمم البعيدة ولا ١ - قوله: " بل يجب أن يرجع إلى صاحب الوحي " قد سبق الكلام في هذا وأمثاله في مقدمة الكتاب وبعض التعاليق. وقلنا إن إثبات أصل وجود الباري تعالى لا يمكن أن يؤخذ من الوحي لاستلزامه الدور، وأما التفاصيل الأخر فيجب أن يثبت بالخبر المتواتر القطعي الدلالة لا برواية الآحاد ولا بالظواهر المظنونة، وما يدعيه الأخباريون في ذلك غير صحيح لم يتفوهوا به إلا تقريرا للعوام وجلبا لهم إلى تعظيم الآثار. (ش) (*)