شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٣٢
التعجب والحيرة الأفكار العميقة الواقعة في مذاهب التفكير وطرقه الخفية والجلية، فسبحان من لا يكون لنا سبيل إلى إدراك ملكه وملكوته فكيف يكون لنا سبيل إلى إدراك عظمته وجبروته (وانقطع دون الرسوخ في علمه جوامع التفسير) الرسوخ: الثبوت، يقال: رسخ الشئ رسوخا إذا ثبت، وكل ثابت راسخ ومنه * (الراسخون في العلم) * وعلمه هنا مصدر مضاف إلى المفعول والضمير عائد إليه سبحانه، والجوامع وصف للكمالات المحذوفة يعني انقطع قبل تحقق الرسوخ في العلم بذاته وصفاته وأسراره سبحانه الكلمات الجامعة لأنحاء التفسير والتبيين لظهور أن تلك الكلمات لها معان ومفهومات حاصلة في الذهن وليس شئ منها هو الله تعالى ولا صفاته وإنما طريق معرفته والرسوخ في العلم به طور العقل العاري عن شوائب الأوهام (١) بأن يتلقى تلك المفهومات لا على وجه شعوره بما يشعر به من تلك الكلمات بل على وجه أعلى وأشرف بتعقل صرف، برئ عن علائق المواد، مجرد عن إدراك الوهم والحواس وتوابع إدراكاتهما من الأين والوضع والمقدار والكيف وغير ذلك مما لا يليق بجناب الحق فإذا أطلق عليه شيئا من أسمائه الحسنى مثل: الله والموجود والعالم والقادر والحي وغيرها ينبغي أن يحمله على أشرف مما يتخيله وأعلى مما يتصوره، ويعتقد أن ذاته ووجوده وعلمه وقدرته وحياته ليست كذات سائر الموجودات ووجودهم وعلمهم وقدرتهم وحياتهم ليخرج بذلك عن حد التشبيه المتعالى قدس الحق عنه. (وحال دون غيبه المكنون حجب من الغيوب) المكنون المستور يقال: كننت الشئ فهو مكنون أي سترته فهو مستور. المراد بغيبه المكنون: الأسرار الربوبية والأنوار الإلهية والصفات الكمالية المستورة عن أبصار ذوي البصائر بحجب ظلمانية وأستار نورانية، أما الحجب الظلمانية فهي الهيئات البدنية والظلمات النفسانية الحاجبة للنفس عن مشاهدة أنوار جلال الله وأسراره بالكلية، وأما الحجب النورانية فهي أنور العظمة المانعة من مشاهدة ذاته وصفاته وجلاله وكماله كما هي لمن ١ - قوله: " العقل العاري عن شوائب الأوهام " كلمة يتفوه بها الظاهريون لتغليط العقول والحكماء لتنقيص أصحاب الجدل والعلماء لتنفير العوام عن آراء أهل البدع، والمعنى أن العقل من حيث هو عقل طريق صحيح إلى الواقع فيدركه ويحكم بصحته فهو حق، إلا أن الإنسان قد تشتبه عليه مدركات عقله بمدركات وهمه ويظن ما أدرك بوهمه هو عين ما أدرك بعقله ولا يعرف قانونا يميز به أحدهما من الآخر وإنما يمكن التميز للمنطقي المتمرن الذي جرب أغلاط الناس وسبرها وعرف أقسام المغالطة مثل من يزعم أن كل موجود محسوس وأن كل شئ في مكان وأن الزمان موجود بنفسه غير مخلوق وأن المكان فضاء غير متناه وأن التسلسل ممكن وأن الجسم موجود بنفسه أزلا وأبدا ويمتنع عليه الفناء والعدم وأن كل شئ يجب أن يسقط إلى أسفل، وهذا كله نظير الخوف من الميت، وأقرب الناس إلى قبول الأوهام والتعبد بها العوام وأهل الظاهر، وأبعدهم منه أهل المنطق والممارسون للعلوم الفكرية والنظرية، ومع ذلك كله فالعقل العاري عن شوائب الأوهام أيضا لا يستطيع أن يدرك كنه حقيقة الباري تعالى وإنما يتعرف بوجوده وعجزه عن إدراك ذاته. (ش) (*)